بدا واضحا أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما يمتلك قدرة خطابية عاليةإن لم تكن من حيث الرنين اللفظي والإبداع البلاغي،فمن حيث ترتيب الأفكار ودمجها في أنساق منطقية تخاطب العقل فتقنعه،وتدغدغ العاطفة فتأسرها، فهل يتأتى لنا التساؤل:
هل يريد أوباما أن يرجع العاطفة السياسية في المنطقة العربية إلى عهود عبد الناصرفي خطابيته القومية الوحدوية؟حيث رمى من أرض الكنانة بشهاب قبس وجد فيه بعض الساسة هدى طامن من غلواء شكوكهم حيال السياسة الأمريكية،وتوجس آخرون ولاذوا بالحذر،وفقد أخيرون بصيص الأمل الذي كان يراودهم أحيانا حسب معطيات المواقف السياسية لأوباما.
ليس بمقدور أحد أن يفصل بين الثقافة والسياسة،فهمل رحمان ولودان تأتلف بينهما الأمشاج وتتهصرفيهما الأوجاع والأفراح جميعا..وأول ما يمكن الإشارة إليه من خطاب أوباما:
*أنه اختار لخطابه من الأمكنة-كما جاء في مستهل خطابه-(مصر الأزهر)و منها (جامعة القاهرة:فؤاد الأول) وكلاهما موقعان تاريخيان أرسل من خلالهما رؤيته في قراءة التاريخ وتفسيره،وتوظيفه إياه في مخاطبة ذاكرة عربية اشتهرت بالتراكمية الماضوية أو(نوستالجيا التكرار: الحنين إلى الماضي)فتكلم عن الحضارة العربية واشتمالها عناصر إنسانية متباينة multi racesوثقافات متعدد CULTURAL DIVERSITYوهو ما عناه حين ذكر الأندلس ذلك المنجز الحضاري الذي مثل أول تجربة للحكم الجمهوري للحضارة العربية.ولكن أوباما اختزل هذا التعدد في الأقليات،وقد اكتفى بذكر نموذجين هما الأقباط في مصر والموارنة في لبنان.وهذا اختيار غير موفق لأوباما،لأن الأقباط ليسوا أقلية في المجتمع المصري من حيث المعنى الدقيق لكلمة (أقلية)وإنما هم أصلاء وجودا في الحضارة العربية منذ قديم،بل من قبل الإسلام،قال الشاعر:
تعلمن ها لعمر الله ذا قسما فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك
لئن حللت بجو في بني أسد في دين عمرو وحالت بيننافدك
ليأتينك عني منطق قذع باق كما دنس( القبطية)الودك
ثم لما جاء الإسلام كان القبط مكان وصية النبي محمدصلى الله عليه وسلم لهم بالإحسان وكانوا أصهاره.
وليس (الموارنة)ولاحتى (الدروز)في لبنان بأقلية كذلك،وهذا مما ينبغي التنبه إليه في خطاب أوباما فكأنه يريد أن يصنع أقليات غير موجودة بالمعنى الدقيق لمفهوم الأقلية، وهذا نوع جديد من الحرب ولكنها حرب ناعمة تقوم على دمج المفاهيم واقتحام الآخر،وهذا –كما لايخفى-روح( كولونيالي:استعماري)بالغ الخطورة.
*مقاربةأخرى،وهى أن أوبامااستخدم كلمة( عنف)مكان كلمة (إرهاب)ذات الدلالات العقيدية والتي شن من أجلها سابقه جورج بوش حربا جائرة أطاحت بالعراق وأفغانستان منتهجا خطابا دينيا محضا ينزع إلى الكراهية التي هي من صنع التعبئة الكنسية التي تقوم عليها تصورات بوش نحوالعالم.
أما كلمة (العنف)التى استخدمها أوباما في منطقة تعاني من العسف السلطوي تجاه الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع فلها بعدها الثقافي الذي أنتج تضييق مساحات الحريات وتكميم الأفواه والضغط السياسي المفضي إلى مشاركات سياسية تهدف إلى الإحتواء عن طريق التسميم السياسيPOLITICAL INTOXICATION والظلم الإجتماعي الفادح والإغتيالات السياسية الناجمة عن (العنفوفوبيا:الخوف من العنف).
*مقاربة ثالثة،وهي تضمينه القرآن الكريم في مواضع كثيرة من كلامه مصحوبا بالكلام عن قيمة التسامح لدى المسلمين،وهذا تناقض وقع قيه أوباما،إذ حين تكلم عن العنف وصم به المسلمين مختزلا إياهم في( تنظيم القاعدة) فانظر كيف يكيل بمكاييل غاية في التناقض،حين أغض الطرف عن إرهاب اليهود وعنفهم تجاه العرب من لدن صبرا وشاتيلا،إلى هدم لبنان وحرقه عبرسنوات،إلى مجزرة غزة الأخيرة وبعدها قلقيلية.
ويبرزالتوظيف( الإبستميولوجي:المعرفي) للتاريخ حين عمد إلى ذكر المحرقة (الهولوكست) معززا بها ما لاقاه يهود من ظلم واضطهاد، وهذا يسمى بتحويل (التاريخ العبء) إلى( التاريخ الحافز) بحسب مايرى المؤرخ الفلسطيني الراحل قسطنطين زريق؛إذ المحرقة-إن ثبتت جدلا وتاريخا-فهي مرحلة من التاريخ اليائس المقعد عن النهضة وأسبابها،ولكن أوباما حوله إلى تاريخ محرك أوحافز للحركة!!
ومن ناحية أخرى فإن كلام أوباما عن التسامح لدى المسلمين يعد تحصيل حاصل إذ أنها قيمة يعرفها من أجال الطرف أوألقى السمع من صغار التلاميذ عن السيرة النبوية حين قال لقريش-وكان غالبا منتصرا-:"اذهبوا وأنتم الطلقاء".وحين فدى أسرى موقعة بدر إلى غير ذلك من المشاهد التاريخية الدالة على تسامح المسلمين في سائر عصور حضارتهم.
*المقاربة الأخيرةهي وعوده في إيجاد فرص عمل للشباب في البلاد الإسلامية وهي تعني النظر في مشكلة( البطالة) وهي واحدة من لوازم المشكل الإقتصادي لكنها ذات مدلول ثقافي في كيفيات التعامل مع قلة الموارد وتخبط السياسات الإنتاجية الناتج عن الفشل الذريع في أولويات الدولة،وتماهي طبقات المجتمعات بين الفقر المدقع والثراء الفاحش،ومن هاهنا تنشأ ظاهرة العنف والقلاقل السياسيةPOLITICAL UN REST.
وعود أوباما لاأقول تنتظر التنفيذ،ولكنهاأحلام أسطورية من فلك المحرقة وظف لها خطاب معسول يرفضه الواقع الماثل.
خلاصة القول:إن خطاب أوباما جاء بمضامين مثل الفقاعات أرد بها تجميل صورته القاتمة وتحسين خطابه الذي لم يشف بعد من داء العنصرية،بما لايدع مجالا للانخداع له ولبرنامجه الذي نجح في بنائه بفسيفساء من قصر الحمراء با لأندلس،وأحجار من طور سيناء بمصر وكثير من رمل الدهناء بالسعودية ليكثر لهاثنا إزاء سراب يحسبه الظمآن ماء،وخيال يظنه الجوعان خبزا،وهو إنما الخديعة الماكرة التي تشبه ماجاء في حديث ضعيف السند لكنه قوي المعنى حين وصف أحوال آخر الزمان:"يأتي أناس يختلون –يعني يطلبون بالخديعة-الدنيا بالدين،يلبسون جلود الضأن من اللين،ألسنتهم أحلى من السكر ،وقلوبهم قلوب الذئاب"!!فهل مازال التصفيق قائما لأوباما؟؟