الصفحة الرئيسية        |          اتصل بنا        |          فكر الجماعة        |          المركز العام        |          مواقع ذات صلة        بيانات ووثائق        الأخوات المسلمات

أخبار وأنشطة
المراقب العام
قضايا ومعلومات
آراء وحوارات
شباب وطلاب
تاريخ الجماعة
برامج دعوية
مجتمع الإخوان
تربويات
انضم إلينا

آراء وحوارات

 صحيفة"الأهرام اليوم" تحاور الشيخ صادق في حوار "حقيبة الأسرار"      بقلم عزمي عبد الرازق

 

لعلّ باطنه الشفيف هو القصيد، فكلّما توغلنا في أعماق المشهد السياسي في السودان استجدّ حضوره. المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد، رجل هداية حملته تصاريف الأقدار إلى المثول أمام بوابة السياسة والتاريخ، منذ أن شبّ عن الطوق وهو يتوق لمجتمع الطهر والنقاء، ويسعى لبلوغ مقاصد المشروع الإسلامي. اليوم في هذا الصقيع الموحش يقف شيخ صادق بجسده النحيل يبعث الدفء في أركان المجتمع، لم ينقطع عن العمل العام ولا ونت عزيمته، رغم كثافة العواصف، الانشقاقات، والثورات التي عزف (الإخوان) على أنغامها أناشيدهم من جديد (أنا عائدٌ أقسمت أني عائدٌ).. تخيّرناه في هذه المواجهة الشتوية ليسكب من أعماق ذاكرته تفاصيل التجربة الحيّّة والممتدّّة. يبدو فتياً وهو في العقد الثامن من عمره، حيث امتدت رحلة السنوات منذ 1926م. محدثنا تخرّج في جامعة القاهرة قسم الحقوق وانتخب مراقباً عاماً للإخوان المسلمين في السودان من العام 1991 حتى مارس 2008 ليخلفه د. الحبر يوسف نور الدائم. رصيده في العمل السياسي يصلح لإنجاز مكتبة ضخمة من المؤلّفات، المحطات والسجون والتقلبات والحوارات العاصفة مع رموز كلما طوتهم السنوات ازدادوا ألقاً. في هذا الحوار تركناه يتداعى دون عملية (مونتاج) صحفي، فحدثنا حديث العارفين حول حقبة الخمسينات وأسرار حلّ الحزب الشيوعي، كواليس المفاوضات الأخيرة مع المؤتمر الوطني والخروج من الحكومة، محاولة تجنيد منصور خالد للإخوان المسلمين، وتفاصيل المواجهة الأخيرة والخطيرة بينه والإمام حسن البنا، فإلى مضابط الحوار .

{ في نفس الوقت الذي يرتفع فيه صوت (الإخوان المسلمين) في كل مكان ينحفض فيه صوت شيخ صادق، ما السبب؟

- السبب هو الانشقاقات والخلافات التي ضربت جماعة (الإخوان المسلمين) في السودان منذ سنوات بعيدة، فعندما كان العمل كله قائماً عليهم كان يسير بوتيرة جيدة، وجاءت مرحلة الانتخابات والمطالبة بتغيير الاسم بآخر يتوافق مع مزاج الناس، من الإخوان المسلمين إلى الميثاق الإسلامي، تطورت الميثاق إلى الجبهة الإسلامية القومية، ونزلنا الانتخابات باسم جبهة الميثاق الإسلامي وفاز عدد منا بهذا الاسم، وبعد أن ُحل البرلمان الذي استمر عاماً واحداً، دخلنا في مرحلة جديدة، وكان للترابي دور كبير جداً في المرحلة التي أدت إلى الانطباع بأن الإخوان منقسمون، انتهى البرلمان وتكونت الجبهة الإسلامية القومية، كان على رأسها الترابي، وهذا التكوين لم يأت بصورة أمينة، بدأ الشرخ من هذه النقطة، وأتذكر في مؤتمر سنة (1969) انعقد هنا في بحري يكاد يكون الفيصل بين ماض وحاضر، ولا تزال صورة هذا اللقاء الذي استمر ثلاثة أيام بلياليها أمامي شاخصة، وكانت تقريباً هى الضربة التي جعلت الشرخ يأخذ طريقه لهذه الجماعة، حدث فيه أخذ ورد، حيث رُشح الترابي وأنا وجعفر شيخ ادريس، لكنني انسحبت، وكنت واثقاً مائة في المائة من أنني لو واصلت في ذلك اليوم لكانت الأمور ستتغير تماماً.

{ لماذا انسحبت؟

- لعبارة معظم إخواننا الآن يتذكرونها، قلت لهم لن أنزل مع الترابي حتى لا يحسب على تاريخيا أنني كنت سبباً في شق هذه الجماعة، وأقولها بصدق إنني كنت سأفوز، وحتى الآن الإخوان يقولون لي ليتك ترشحت لأغنيتنا اليوم عن كل هذا الذي حدث.. بعد ذلك جمعت الجبهة أشتاتاً متفرقة، والذين انضموا لم يكونوا بالعدد المتوقع وإنما رمزيات، ختمية وأنصاراً وطرقاً صوفية، لا يتجاوز العدد من أي محافظة العشرة، هذه الجبهة نزلت الانتخابات أيضاً في مراحل سابقة، وما حدث أن الترابي كان المسؤول وجمع الجبهة الإسلامية وأعطاهم هدية عبارة عن مصاحف وقال لهم "كتّر خيركم أديتوا الواجب ومن هذه اللحظة تعتبروا الجبهة الإسلامية قد حُلت" .

{ متى كان ذلك؟

- قبل الإنقاذ بحوالي سنة أو يزيد قليلاً، في تلك الفترة وما قبل هذا القرار القاصم للظهر بدأ التخطيط للإنقاذ من وجهة نظر متفرّدة، ووسط مجموعة لا تتجاوز الخمسة أفراد من ضمن الجبهة التي حُلّت، هنا انتهت مسيرة الإخوان منذ الأربعينات إلى الجبهة الإسلامية التي حُلّت قبل قيام الإنقاذ بفترة وجيزة، وبعد ذلك بدأ العمل للانقلاب بتخطيط وإتقان من قبل الدكتور الترابي.

{ هل هذا يعني أنكم لم تشاركوا في الانقلاب؟

- إطلاقاً، لأن الجبهة تجمّدت ونحن كنا فيها لتقوم بعدها المجموعة بإبرام الاتفاقات الخاصة مع (العساكر) للانقلاب، وكان واضحاً دور الترابي في الانقلاب، بالرغم من أنه أيام نميري قال لنا: (سيكون هذا إن شاء الله آخر انقلاب يحدث في السودان)..!!

{ متى التقيت بالترابي أول مرة وماذا دار بينكم بالضبط وهو الذي جاءكم من جامعات الغرب؟

- أول لقاء لا أتذكره، ولكن الترابي درس في جامعة الخرطوم، وقد كانت الجامعة تمثل حركة دؤوبة بالنسبة للإخوان في تلك المرحلة، لا أستطيع أن أحدّد لك عمقه أو ضحالته في تلك الفترة، لأنني لم أدرس هنا، وعندما كنت أعود من مصر في إجازاتي كنت ألتقي به، وحسب ما أذكر إلى أن تخرج من الجامعة لم ينضم (للإخوان المسلمين)، سافر لفرنسا وتأثر بالثورة الفرنسية وأفكارها، وعندما عاد سنة (1962) كان هنالك مؤتمر في العيلفون، الإخوان ماشين ما شاء الله، طهر، نظافة، أخوة ومحبة في الله، في ذلك الوقت ظهر الترابي وكان معروفاً للناس أنه أول دكتوراة تضمّها الجماعة تقريباً، جاء دكتور، ومنذ ذلك الوقت لمع نجمه، والمؤتمر انفضّ والجماعة كانت تلتقي وتمارس طقوس العمل الإسلامي.

{ وسط شيوخ الجماعة المحافظين جداً ألم تكن هنالك مقاومة لأفكار الرجل وهو العائد للتو من بيئة علمانية؟

- أبداً، وما أقوله لك هى بدايات هذا الشخص وسط الجماعة.

{ نعود للطقس السياسي في تلك الفترة.. أنت يا شيخ صادق متهم بأنّك من الذين تآمروا وحرّضوا على حلّ الحزب الشيوعي.. كيف ترد.. وماذا تبقّى من تلك الأيام؟

- أتذكر أنني كنت أسكن في أم درمان، تحديداً في منطقة (ود نوباوي)، بالقرب من كلية التربية التي كانت في ذلك الوقت معهد المعلمين العالي، في الصباح جاء لي عدد من الإخوان منزعجين، وقالوا لي: أمس أقيمت ندوة في هذه الكلية عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وبيته، وكانت موجودة الدكتورة سعاد الفاتح والدكتور يوسف الخليفة أبوبكر، وفي هذه الندوة وقف طالب اسمه شوقي وقال عبارة قبيحة تشبه الشيوعيين. (طوَّالي) الطلبة جاءوا لي في البيت وأخبروني، كانت هنالك دار لجبهة الميثاق في شارع العرضة، قلت لهم نمشي المركز العام ونخبر جميع الإخوان، فجاءوا إلى كلية التربية، في الأول ما وجدوا الاستجابة المتوقعة فخرجوا إلى دار اتحاد طلاب الجامعة الإسلامية، وبدأ عددهم يزيد في شكل مظاهرة محدودة، وعندما وصلوا للاتحاد خرج طلاب الإسلامية معهم حتى وصلوا للمحطة الوسطى واختلطوا بالمواطنين والمسألة كبرت، في ذلك اليوم اتفقوا أن يتلاقوا في دار الخريجين مساء، تصادف حضورهم مع خطبة للسيد إسماعيل الأزهري، اقتحموا المكان والهتافات كانت عالية ضد الشيوعيين، وأزهري من فوق أعلنها: سنحلّ الحزب الشيوعي. كان ذلك حوالي الساعة التاسعة، بدأت الشرارة وقد كنت موجوداً، في الصباح فتح البرلمان والدعوة كانت موجّهة للجماهير التي حاصرت البرلمان منذ الساعة العاشرة حتى الرابعة عصراً، وقدّمت مسألة مستعجلة من داخل البرلمان لحل الحزب الشيوعي.

{ هل تتذكر النائب الذي طالب بحل الحزب الشيوعي وهل هو من الإخوان؟

- لا ليس من الإخوان، أظنه كان أزهري نفسه، أو يحيى الفضلي، المهم قدّمت المسألة وعطلت المسائل الأخرى، فكانت معركة حقيقية.

{ عفواً شيخ صادق، ولكن ما حدث هو أنه أقصي حزب كامل من الحياة السياسية بجريرة شخص مشكوك في انتمائه؟

- الشيوعيون أنكروا لأنها شينة (والشينة منكورة) لكن ظل الاعتقاد بأنهم وراء ذلك، المهم ظل السجال قائماً بعد أن صدر القرار بطرد الشيوعيين من البرلمان وحل الحزب، خرجوا طبعاً وكانت أخلاقاً لا تشبهنا، النواب الشيوعيون كانوا حوالي (11) شخصاً، اللحظات قاسية والبعض كان يتلفظ بكلمات شيطانية، وقد أُخرجوا بالقوة وكانت حياة قاسية عليهم.

{ حسناً، وما الذي ترتب على ذلك الطرد بحسب اعتقادك؟

- وأضح أنهم فكروا في الانقلاب العسكري، وإذا برأناهم فأنا متأكد من أنه كانت لهم اليد الطولى في انقلاب نميري، لذلك أيّدوه بكل ما يملكون من قوة، وكان لهم أعضاء في المجلس العسكري.

{ في فترة نميري تحديداً اعتُقلت وسجنت لسنوات، ما هى ملابسات ذلك الاعتقال؟

- بالفعل تم اعتقالي من منزلي يوم (26) مايو بعد يومين من الانقلاب، ولم أكن متزوجا ساعتها، وأعتقد جازماً أن الذي اعتقلنا ليس نميري وإنّما الشيوعيون الذين أسهم الإخوان في حلّ حزبهم وطردهم من البرلمان، فجاءت لحظة الانتقام (لسّه نميري كان ضابط لا يعرف شيئاً في السياسة)، وقد استلم الشيوعيون وزارة الداخلية وأحرقوا كل الملفات التي تخصهم، بعد ذلك تم اعتقالي باكراً وسألوني عن يس عمر الأمام وجعفر شيخ إدريس، كذبت عليهم كذبة بيضاء أؤجر عليها إن شاء الله.. في السجن وجدت عبد الرحيم حمدي، وتوفيق طه وعبد الرحيم علي والكاروري، وربيع حسن أحمد، بعد ذلك التحق بنا نصر الدين السيد، وبدأ عددنا يتزايد، السجن في داخله أشياء لا تفهم بالعقل، فبعد (27) يوماً جاءنا ضابط وقال لي والأخ حمدي (بكره الصباح إنتو حتمشو مدني)، وطالبني بالتكتم على الأمر، كنا نلعب (شطرنج) وقد أخبرت الجميع بذلك، ذهبنا إلى مدني وبورتسودان، قضيت (3) سنوات وخرجت ليتم وضعي تحت الإقامة الجبرية في منزلي.

{ حسناً، قبل أن ننتقل إلى محطة أخرى في الذاكرة؛ أريد أن أسألك عن مذكرة الإسلاميين الأخيرة، هل صحيح أنّك مؤيد لها أو عرضت عليك ابتداءً؟

- لا أبداً، لم أوقع على تلك المذكرة، التي قرأت عنها في الصحف مثل الكثيرين، ولا أستطيع أن أدلو برأيي فيها حتى تكتمل حلقاتها، والتفاصيل والأسماء من خلفها، وبالأمس القريب كان بعض الإخوان يتحدّثون معي عنها، وواضح أن وراءها شباب الحركة الإسلامية نفسهم داخل المؤتمر الوطني، فهى مذكرة ضخمة وخلفها أبعاد معيّنة لم تتضح لي بعد.

{ بالنسبة لفترة دراستك بمصر؛ ماذا تبقى من تلك الأيام، البيعة للإخوان ولقاءك بالإمام حسن البنا؟

- في ذلك الوقت ما كانت هنالك مدارس، بالرغم من أن أبي كان معلماً، وما وجدت طريقة للدراسة في الخرطوم، كانت هنالك كلية غردون، وفي الواقع كانت مدرسة. عندما استعصت عليّ الدراسة استأذنت من والدي وقلت له أريد أن أتعلم، كانت مصر في ذلك الوقت باباً مغلقاً انفتح فقط لحوالي (7) من السودانيين الذين درسوا وابتعثوا لفرنسا، وأذكر منهم دكتور عقيل أحمد عقيل، والطيب عابدون وأحمد السيّد حمد، وصلاح الدين عثمان هاشم، والدكتور ياجي، بالإضافة لدكتور بشير البكري النحاس، ديل أكملوا الجامعة في مصر وأبتعثوا لفرنسا، وأيضا السنهوري باشا (أبو الدساتير)، أنا هنا قاسيت عشان ألتحق بمصر، والمصريين كانوا بيجهلوا ما يدور في السودان، أكملت الثانوي في حلوان، والتحقت بالجامعة، لكنني لم أواصل في كلية الآداب لأنها لم تعجبني، فالتحقت بكلية الحقوق، وتخرجت فيها، لم أمارس القانون لكنني عملت في التدريس، ومن ثم اشتغلت بالصحافة، وأتذكر أننا أصدرنا أول جريدة للإخوان المسلمين سنة (1956).

{ كيف كانت الأجواء في القاهرة عشيّة مقتل الإمام حسن البنّا؟

- لحظات عصيبة مرّت علينا ومن العسير وصفها، الصحف على يومين كانت تكتب (صُفرجي يُطلق النّار على حسن البنّا)، وأخرى زينت مانشيتها (أحد أفراد الإخوان يطلق الرصاص على البنّا)..!! عتّموا على معالم الجريمة تماماً وقُيّدت ضدّ مجهول.

{ هل صحيح أنّه كانت هناك محاولة لتجنيد منصور خالد من قِبَلَكم في مصر؟ ما هي الملابسات ومتى كان ذلك بالضبط؟

- كنت في مصر ساعتها بالرغم من أنني أصلاً كنت بعرف منصور، ووالدي درّسه في (أبروف).. المهم؛ لمنصور شخص يقربه اسمه محمد عثمان العوض أوصاني وقال لي (منصور جاي القاهرة يتفسّح فسِّحوه).. التقيت به وأنا (زول) عندي هدف، وقد أُوكلت لي (مهمّة) الخروج بمنصور خالد، وكان هدفي في ذلك الوقت استقطابه لصالح الإخوان فهو رجل ليس (هيّناً)، كنت أعلم ميوله الأدبيّة وكتاباته، فقلت له: إلى أي مكان تريد أن تذهب؟ للمناطق الأثريّة؟ أم تريد أن تلتقي بالأدباء المصريين الكبار؟ عندك العقاد، عندك زكي مبارك وأحمد أمين بالإضافة لطه حسين وسيّد قطب (الأخير حشرته له مثل الساندوتش بتعمُّد حتى لا يشك في نواياي). العقّاد كان بعيداً - تقريباً في مصر الجديدة - كان ذلك في الخمسينات، وسيّد قطب كان في (حلوان) أبعد من العقّاد. عندما وصلنا (حلوان) كان لديّ أصدقاء هناك واتّصلت بسيّد قطب بحكم المعرفة، وبحكم نظام الأسر والتجمعات وسط الأخوان، المهم سيّد رحّب بنا وأوّل ما جينا وقت المغرب، صلّى بنا، عرّفته بمنصور خالد وعلاقته بالأدب، بعد ذلك سأل سيّد منصوراً عن أحوال السودان، فأخبره عن إضراب البوليس، لم أتدخّل بينهما قط. استمر اللقاء حوالي ساعة ونصف، بعدها استأذنّا وخرج سيّد (ليقدمنا) فدعوناه لزيارة السودان. أومأ برأسه وأجاب: (إن شاء الله ولكن بشرط أن تختاروا لي زمناً يكون فيه الطقس بارداً)، لأن سيّد عيونه (جاحظة ومتورّمة) في الصيف، بينما في الشتاء تعود إلى محاجرها، وبعد ذلك قلت لمنصور: (رأيك شنو)؟ فقال لي بقلب مغلق: ما أظن هذا هو الإسلام..!! قلت له هذا الرجل خرج من الإطار السائد، وطلب من منصور قراءة كتابه الأخير (العدالة الاجتماعية في الإسلام) وقرأ لنا جزءاً من الإهداء الذي يقول: (إلى الفتية الذين أراهم في خاطري قادمين، وأراهم بعين الحقيقة والعدل قائمين)، لكن منصور كان (لديح) وقال لي بعد أن خرجنا: واضح إنّك انتميت للأخوان المسلمين، وبعد سنوات كتب منصور في جريدة (الناس) وذكر أن صادق عبدالماجد يريد أن يجنّده للأخوان المسلمين، فلم أرد عليه.. بالله هو يتشرّف أن يخرجه شيخ صادق من الوحدة التي يعيش فيها..!!

{ بدون مقاطعة كيف ومتى التقيت بالشهيد سيّد قطب؟

- معرفتي به كانت عبر ابن أخته محمّد بكري شافعي، كان سيّد بيحبّه جداً وهو زميلي في الدّراسة، وأتذكر أنّ والدي - عليه رحمة الله - كان يشتري مجلّة الرّسالة وقد تعرّفت على كتابات سيّد قطب من المجلّة، المهم كان عندي شغف (أشوف) سيد وهو كان موظّفاً في وزارة (المعارف)، أتذكره كان بيمشي بأدب و(لا يتلفّت) ورأسه دائماً في الأرض، ذهبت وسلّمت عليه، ما كان عندي (موضوع) محدّد، وقلت له (الداخلية) قريبة وجيت أسلم عليك، المرة الثانية كانت يوم الجمعة، كان يقرأ لنا من أحد كتبه ويحاول أن يخرج المجتمع من جاهليته، أتذكر أن الإقطاعيين كانوا يملكون الزرع والفلاح وأسرته، نفس نظام (العبودية)، وفي يوم جاءنا يحمل معه كتاب (العدالة الاجتماعية) وحبره لم يجف وبعد ذلك توثقت صلتي به، في يوم من الأيام سألت محمد قطب سؤالاً في غير محله، كيف كتب سيد (الظلال) وهو في السجن؟ أخبرني بأنه يسربها من السجن في شكل قصاصات وبطريقة معينة، ومن ثم جزءاً فجزء حتى أصبحت (6) مجلدات، وبعد ذلك يمضون بها إلى مطبعة (عيسى البابي الحلبي) ولو كان الأمن يعلم بها لقتلهم جميعاً وأحرق (في ظلال القرآن).

{ هل كنت تتوقع أن يتمكن الأخوان المسلمين من الوصول الحكم؟

- ولا حتى حسن البنا كان يتوقع ذلك، فهذا قدر إلهيّ مخطّط، ربّنا الذي يعلم خائنة الأعيُن وما تُخفي الصّدور، فالشّعب المصري وصل قمة الضلال.

{ هل تتوقّع أن يحكم الأخوان المسلمين على ذات نهج تجربة الإنقاذ في السودان؟ أم تتوقّع لهُم تجربة مغايرة؟

- وما هي تجربتنا نحن؟ الأخوان في مصر خرجوا من ظلام دامس إلى نور مشع، نحن فعلاً طلعنا من (أرض مغبّشة) ودخلنا مع الإنقاذ لثلاث سنوات في قطع من الإسلام متناثر، كان أملنا فيها كبيراً أن تتّسع وتزداد وتعم السودان كلّه، فإذا بي أجد أن الإنقاذ في السنوات الأولى قد مورس عليها ضغطٌ شديد من الأمريكان ومن المسيحيين، وما يزعلنا أنّ الإنقاذ قالت قولة في الشريعة لو صدقت فيها والله العظيم لكان السودان جنة الله في الأرض، لكن للأسف الشديد ضربة من أمريكا وأخرى من الترابي.

{ بالنسبة للمشروع الحضاري، هل كان يعبّر عن المشروع الإخواني؟

- من كلمة الحضاري دي أنا شعرت أن إخوانا لا يَريدون السير في الطريق القويم (حضاري شنو يعني)؟ هؤلاء لم يعبروا عنّا ولا عن المسلمين في السودان، هل المشروع الحضاري أنظف وأوضح من المشروع الإسلامي؟ الدرب القويم ما فيه (لولوة) ولا مجاملة ولا مراعاة لخاطر (فلان أو علان) حزب أو غير حزب.

{ بعد خروج الترابي من السلطة هل اعتدلت الأمور؟

- لم تعتدل، فهو جزء مؤثّر وكان في الإنقاذ وغرسها، وكلّ الانحرافات غير الإسلامية هو مسؤول عنها، ولكنّ اليوم حتّى بعد خروجه لم تنصلح الأحوال، بل ازدادت سوءاً، بالعكس الأوضاع اليوم لا تسرّ.

{ ما رأي الأخوان في ما يشاع عن قضايا الفساد والإفساد؟

- أنا الحكومات دي عايشتها منذ ما قبل الاستقلال، دائماً السنوات الأولى بيكون فيها خير بعدها يتجلّى الانحراف كما حصل الآن، عايشت الحكومات دي كلّها وما رأيت حكومة غرقت في الفساد وعدم مواجهة الحقيقة والعدل لكل من يعتدي على المال العام والحق العام مثل ما يحدث الآن، أنا لا أقيّم الإنقاذ بأشخاص وإنما بالتجربة عموماً.

{ هل هذا يعني بأنّك لست راضياً عنها؟

- أبداً ما راضي عنها، وفي مقدور الدولة أن توقف هذا بالقانون.

{ ولكنكم كُنتُم مشاركين في الحكم إلى فترة قريبة ولم تعترضوا على هذا الفساد؟

- مشاركتنا سطحية و(ديكوريّة)، وحتى الوزارات التي منحونا إياها كانت وزارات خدميّة وليست وزارات سيادية أو مؤثرة في كيان البلد ودينها وفي استقامة البلد واقتصادها، كنا بعيدين جداً، وبالتالي نحنُ غير مساءلين، باختصار نحن لم نشارك.

{ ما الذي دار بينكم والمؤتمر الوطني للمشاركة في الحكومة الجديدة وإلى ماذا انتهى الحوار؟

- الأخوان المسلمون أصحاب مبدأ وهدف واضح، نريد الاستقامة على الحق، والاستقامة على طريق الهدى، وهذا كله بيد الحكومة، صحيح هنالك ضغوطات، ولكن هذا لا يعني بأن يستجاب لها، المهم رفعنا شروطنا للمؤتمر الوطني الذي كان يفاوضنا بالإنابة عنه البروفيسير إبراهيم أحمد عمر، أول شرط لنشارك أن تعطينا الحكومة مكتوباً بأن تحقّق شرع الله، ثانياً إزالة الفساد ومحاربة المفسدين والقضاء عليهم بالقانون، ثالثاً تحسين الوضع المعيشي، لكن للأسف الشديد رفضوا أن يوافقوا عليها لأنّها حسب كلامهم بتخضع لمبررات.

{ هل رفض المؤتمر الوطني الاستجابة لتلك الشروط؟

- لم يرفض بشكل واضح وإنما قالوا قضايا مثل المعيشة ممكن نعمل فيها برنامج، كانت شذرات أو تطمينات، لكننا لم نشارك ونحن اليوم خارج الحكومة ومسيرتنا متواصلة.

{ حسنا لماذا رفضتم الانضمام إلى قوى المعارضة طالما أنكم خارج الحكومة؟

- بالله عليك الله ما تجيب لي سيرة المعارضة، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، هم مثل الحرباءات التي تظهر وتختفي، والله العظيم هى معارضة لأجل الوصول إلى الحكم وبعد ذلك تتحوّل الساحة إلى صراع، لن يتّفقوا وهم اليوم غير متفقين، وأصدِقَك القول المعارضة لن تسقط النظام ولو تعلّقت بأستار الكعبة، فلو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم، ولازم الناس تعرف أنهم رافضون للإسلام وحا يبنوا الحياة على ما يسمونها بالديمقراطية.

{ بهذا الموقف أنت ضد المعارضة وضد الحكومة، ما الذي تريد أن تفعله بالضبط؟

- هذا هو الموقف العدل، الموقف النظيف الذي ليس من ورائه غرض، موقف من أجل البلد.

 

 

 

    الدعم الفني والتصميم لمسة الهندسية

كل الحقوق محفوظة لجماعة الأخوان المسلمون السودان إلا للنشر الدعوي ©  1430 هـ 2009 م ـ         البريد الالكتروني