من تاريخ الاخوان المسلمين بالسودان.... الحلقة الاولى
من تاريخ الاخوان المسلمين بالسودان.... الحلقة الاولى
بقلم/ الشيخ/صادق عبد الله عبد الماجد
بداية النشأة والتكوين لحركة الإخوان المسلمين في السودان :-
مثلما ينتظر الغيث الهتون الأرض الجدباء، كان السودان في نهايات السنوات الأربعين من هذا القرن ، ينتظر التحرر كاملاً من ربقة التدين التقليدي الخالي من روح الدين وحقائقه ، بما نسجه حوله النفوذ الاستعماري الذي ران على السودان نحواً من نصف قرن ، في أعقاب الثورة المهدية التي نشرت ظلالها على البلاد نحواً من ستة عشر عاماً .
كان طبيعياً أن تتجه السلطة الاستعمارية الجديدة إلى تغيير نمط الحياة ، ومحاولة إطفاء ذلك التوجه الجديد بكل الوسائل ، فعمدت إلى مناهج التعليم – على قلتها وندرتها - لترسي من خلالها أساساً يقوم على هوامش من الحياة المادية التي جعلت من مفهوم الدراسة في المدارس الأولية طريقاً للعيش وللوظيفة ، كما جعلت من مفهوم الدراسة في (خلاوى القرآن) طريقاًُ للجمود وشظف العيش ، والبعد عن المفهوم (الحضاري) !! الجديد للدارسين فيها ! وانشطرت الحياة الاجتماعية عند ذلك إلى شقين غير متجانسين ، حين برزت إلى السطح بعد سنوات من ذلك مجموعة من المثقفين الذين لا يربطهم بالدين سوى خيط رقيق ضعيف لا يقوى على مواجهة ولا يعين على خير .
وفي الجانب الآخر من هذا الواقع خريجون من (لمعاهد الدينية ) التي أريد لها أن تدرس العلوم الشرعية وغيرها ، ولكن بمعزل تام عن مراد الشرع من هذه الدراسة في بناء شخصية المسلم الواعي الذي يدرك أن له رسالة عليا ومسئولية كبرى نحو المجتمع الذي هو جزء منه .
وبين أولئك وهؤلاء جموع من الطرق الصوفية التى لها وسائلها في فهم واقعهم وأهدافهم ودورهم ، الذي لم يكن ليخرج عن دائرة (الحلقة) التى يمارسون فيها شعائرهم .. ومن ثم لم يكن لهم من خطر سياسي يخشاه الاستعمار الجديد ، وبقي في المخطط الجديد أمر بالغ الأهمية ، لابد للاستعمار أن يقف لديه ردحاً من الزمن قبل أن يتجاوزه ، فقد جاء هذا الاستعمار في أعقاب ثورة إسلامية لها أنصارها ومؤيدوها ؛ وفي نفوسهم جراحات وآلام ، ولابد من الاطمئنان الى جانبهم ومنحهم الحق في الوجود وفي الإحساس بالكيان الفاعل فكانت (طائفة الأنصار) بقياداتها وأهدافها وتنظيمها .. بل وكان لقيادتها وقتئذ دور معلوم في استقرار الأحوال ، وفي الاكتفاء في ذات الوقت بالإحساس بالانتماء إلى تراث المهدية موصولة بها حبالهم وقلوبهم .
والى جانب أولئك وضعت البذرة الأولى (لطائفة المراغنة) حيث كان لزعيمها أيضاً دور بارز في التوازن الذي حقق الكثير من الراحة النفسية للاستعمار الجديد ، بما كان يقوم به من تقريب هؤلاء إليه حيناً وإقصاء أولئك عنه حيناً آخر بمقدار الجرعات اللازمة وقتذاك ، في عملية تبادل مستمرة بين الطائفتين .ووسط كل تلك الحقائق التي قامت على مسرح البلاد خلال ما يقرب من الخمسين عاماً ، كان الإسلام يبحث عن صيحة داوية تؤذن بالعودة إليه من جديد .. صيحة ترد إليه نقاءه وصفاءه ، وتعيد سيرته للناس قرآناً يسعى بين أيديهم ، ويهديهم للتى هي أقوم ، ويرفع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ، وعند ذلك فقط – والله أعلم حيث يضع رسالته – أذن مؤذن في المدينة يدعو إلى الله على بصيرة ، حاملاً لواءً ربانياً ، داعياً الى الوحدة والاعتصام ، والى الملاذ في منهج الله ، وفي دعوة رسوله تجديداً لمفهومها وممارستها ، وتأصيلاً لمنهجها وتثبيتاً لدعائمها.
وإذا بتلكم الصيحة الداوية المتجردة تتكشف عن ميلاد هذه الدعوة المباركة في السودان ، يحدوا ركبها وينظم صفوفها ، ويقيم دعائمها ، إمام المجددين في هذا العصر الشهيد حسن البنا ..
انطلق هذا النور الالهي وأخذت دوائره الربانية تنداح شيئاً فشيئا ، على أيدى فتية مؤمنين ، حتى غمر كل أرجاء البلاد خلال سنوات قلائل ، وعزائم إيمانية راسخات ثوابت ، لا يأبه جندهم بالصعاب ، ولا بالعقبات يضعها المعوقون ، ولا بالتهديد يلوح به المستعمرون ، والخراصون ، والمشاءون بين الناس بالوقيعة .. وبين كل هذا وسفينة الدعوة المباركة تتهادى بين الامواج في يقين واطمئنان غير محدود ، يرفرف على سارية شراعها لواء معقود وكلمٌ منضود ونداء ملائكي مشهود ، (الله غايتنا ، والرسول قدوتنا ، والقرآن دستورنا ، والجهاد سبيلنا ، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا ) .
للتاريخ بداياته وبكل الصدق أذكر إني لا أرمي من وراء ذكر هذه البدايات إلا تسجيل الحقيقة وحدها للتاريخ ، وإن مسني فيها جانب فلأنها الحقيقة والحقيقة وحدها .