تأريخ جماعة الإخوان بالسودان 2
حسن البنا :
كان ذلك في عام 1943م حيث دعينا في مدينة حلوان لحضور محاضرة للإمام الشهيد حسن البنا وتحدث الرجل حديثاً طيباً ، ملك على الناس القلوب ونحن في تلك السن وتحت تأثير ذلك التيار الذي أنطلق من ذلك الشيخ ، وقفت أسأل الرجل وأحدثه عن أهلنا المحرومين في السودان عن مثل ما سمعنا منه وما رأينا فيه ... وفي حماس الشباب وقتذاك ناشدت الرجل بأن يمتد بقلبه إلى السودان .وأسرها الرجل في نفسه بعد أن أطلقت نفسه شرارة التحرك ومد الجسور لهذه الدعوة مع السودان ، وكيف بها تمضي إلى بلادي إن لم أكن واحداً في ركبها . وانقدحت في ذهن هذا الداعية الامين الفكرة والوجهة التي عاش ومات في سبيلها . وهل له غير هذه الدعوة من غاية ؟
وفده الأول للسودان 1944م :-
فإذا به يؤلف وفداً إخوانياً يذهب يستطلع الأمر في السودان وستجلى الحقيقة فيه .. وجاء الوفد في عام 1944م وفيه الطالب السوداني جمال الدين السنهورى بكلية الحقوق ، وطاف بعدة مدن يدعو ويبشر باسم الإخوان المسلمين شارحاً معاني أول دعوة تجديدية في تاريخنا المعاصر ، حيث كانت نشأتها الاولى على يد الامام حسن البنا عام 1928م بعد سقوط الخلافة الإسلامية بأربع سنوات .. وهكذا كان قدر الله لهذه الدعوة أن يخبو نجم الخلافة ليطلع فجر هذه الدعوة المباركة .
وبعد عامين أرسل الامام البنا الى السودان وفداً عالى المستوى برئاسة السكرتير العام للإخوان المسلمين عبد الحكيم عابدين صاحب النشيد المعروف (في حماك ربنا) وطاف هذا الوفد الاخواني كل مدن السودان الكبيرة رافعاً راية الدعوة الى الإسلام باسم الإخوان المسلمين وغطى الساحة كلها حتى اصبح اسم الإخوان على كل لسان .
وخلال تلك الفترة تم اتصال بين الإمام البنا والأستاذ على طالب الله ودارت بينهما مكاتبات كون على أثرها الأستاذ طالب الله أول أسرة للإخوان مستوحياً برنامجه إلى حد ما من منهج الإخوان في مصر . وفي عودة بعض الطلاب السودانيين الإخوان في عطلاتهم الى السودان مجال لبث الدعوة والحديث حولها مما مهد أرضية طيبة في اطار محدد حيث يتواجدون . وحان عام 1948م ووقعت الحرب في فلسطين .. وجيش الإخوان جيشهم بقيادتهم على حين كانت الجيوش العربية المتشاكسة تشرئب لمن يقودها من البريطانيين ولو كان هو (جولب) الذي نفضت حومته البريطانية يدها عن فلسطين ليظفر بها اليهود الذين جاء العرب لقتالهم !!
زيارة مدرسة حنتوب عام 1952م
فقد قمنا في وفد ضم خمسة من شباب الإخوان المسلمين مصريين وسودانيين من طلاب القاهرة هم الاخوة عبد البديع صقر وحسن الشافعي ومرسي ، وعبد الباقي عمر عطية وشخصي وبلا ريب فقد كان الوفد المصري – استقراءً – إمتداداً للوفدين اللذين بعث بهما الامام البنا في الاربعينيات فالذي شهدناه في حنتوب يفوق التصور وكان على رأس الطلاب جعفر شيخ إدريس الذي استقبلنا على (البنطون) بشاطئ المدرسة التي كانت إدارتها كلها من الانجليز ما عدا أثنين أو ثلاثة من السودانيين .. فعلى مدى الايام الثلاثة أو الاربعة التي قضيناها كان الطلاب يتوافدون علينا في مقر إقامتنا السرية بمنزل (هباني) طاهي الطعام . وأعجب ما في هذا أنهم جميعاً كانوا يتعاملون بوصفهم إخواناً مسلمين يسألون عن إخوانهم بمصر وعن جهودهم في حرب فلسطين ، وعن استشهاد الإمام البنا بوصفهم جزءً من هذا الجسد الإسلامي الواحد .. هذه الحقيقة الواضحة تأتي بعد عامين فقط مما ذكره الترابي عن حركة التحرير الإسلامي عام 1950م .