الصفحة الرئيسية : تعرف على الإخوان : فكر : تاريخ الجماعة : اتصل بنا

     جديد الموقع : الولايات : العاصمة : الأخوات المسلمات : رسائل الامام : المكتب السياسي : الوسائط                                 

 

   جديد الأخبار: المراقب العام للإخوان المسلمين عوض الله حسن لـ”التيار" :: الاخوان المسلمون يرفضون التعديلات الدستورية :: التطبيع القضية الخائبة :: التطبيع جريمة :: قصة انسحاب النواب :: واجبنا تجاه غزة أرض الرباط :: أحزاب تهدد بالانسحاب من البرلمان بسبب قانون الانتخابات

 

  الدورة التربوية الدعوية الرمضانية الثامنة

  الدرس الاسبوعي في رسالة ابن ابي زيد القيرواني

  خطب الجمعة

  شرح موطأ مالك

 

 

 

بيان حول التطبيع مع إسرائيل

 

 

 

  

 

 
  العاصمة

مقام النبي صلى الله عليه وسلم

ورقة في مقام النبي صلى الله عليه وسلم والتعريف به وبحقوقه وما يجب على الأمة عند إيذائه

مقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له : شهادة مقر بربوبيته ، شاهد بوحدانيته ، منقاد إليه لطاعته ... مؤمل في عفوه ورحمته ، طامع في مغفرته ..

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله ، خيرته في خلقه وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده ، أقرب الخلق إليه وسيلة وأعظمهم عنده جاهاً وأسمعهم لديه شفاعة، أحبهم إليه وأكرمهم عليه ، أرسله ربه بالإيمان منادياً، وإلى الجنة داعياً ، وإلى صراطه المستقيم هادياً ، وبكل معروف آمراً وعن كل منكر ناهياً ، رفع له ذكره ، وشرح له صدره ، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره ، والشفاعة والسعادة لمن تابع سيره:

يا سيدي يا رسول الله معذرة** إذا كبا فيك تبيــاني وتعبيري

ماذا أوفّيك من حق وتكرمة** وأنت تعلو على ظني وتقديري

أقبلت كالفجر وضاح الأسارير ** تدعو إلى الله فِي يسـر وتبشيـر

على جبينك نور الحق منبلجٌ ** وفي يديك لواء العدل والنـور

اللهم اجعلنا ممن أحبّ نبيك بتوفيقك ، واتبعه بإرشادك وتسديدك ، وأمتنا اللهم على ملته برحمتك ، واحشرنا اللهم في زمرته بنعمتك ...

أما بعد:

فهذه صفحات كتبت بسنان المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقلم الانتصار لجناب المصطفى الحبيب عليه الصلاة والسلام ، طلبها بعض محبٌّي الرسول صلى الله عليه وسلم ، راجٍ رضوان ربه حين ينتصر لرسوله الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، لتكون ورقة علمية تعرِّف بالرسول الكريم وتقدّمه للعالمين بحقيقته وأصله ، ومكانته وفضله، ومقامه عند ربه ، وحبه لدى صحبه ، وما يجب له من النصرة والولاية ، وما وجد من ربه من المعية والعناية، والعصمة والوقاية ، والنصرة والحوطة والحماية صلى الله عليه وسلم . فاستجبت لهذا الطلب مسروراً وفرحاً حبوراً للإسهام الصادق في المواجهة الفكرية والعقدية لمخطط الإساءة للإسلام ورسول الإسلام ومقدسات الإسلام من اليهود ومن يقودونهم .

فهي رسالة عاجلة إلى كل مؤمن محب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليقف على مقام نبيه الكريم عند ربه وعند البشر ، فيتعرّف أكثر على حقيقة الرسول المصطفى الكريم صلوات الله وسلامه عليه ، ليزداد تعلقاً به ويزيد صدقاً في إيمانه به ، ومعرفة لحقوقه عليه وواجباته تجاهه فينصره ويعزره ويعشق رسالته فيكون هواه تبعاً لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثم يعلم يقيناً أنه:

ـ قد خاب وخسر أهل أوربا بقيادة الدنمارك الذين تطاولوا على نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم في صحفهم ..

ـ وقد ضلوا ضلالاً مبيناً الذين سخروا من نبي المرحمة صلى الله عليه وسلم بمقال أو برسم من خيال..

ـ وقد أسخطوا ربهم الذين سعوا للنيل من رسول العدل والإحسان صلى الله عليه وسلم بإساءة أو إهانة..

ـ وقد بُتر من رحمة الله من شنأ رسول الإنسانية أو استهزأ به وهو الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير صلى الله عليه وسلم ..

ـ وقد لُعن من آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وطُرد من رحمة الله إلى المهانة البعيدة والعذاب المهين ، وصدق أصدق القائلين جل جلاله حين قال:( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعدّ لهم عذاباً مهيناً )([1]).

فملعون من ربه من أساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم !!..

ومطرود من رحمة الله من آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم !!..

ومسخوط عند ربه من أهان رسول الله صلى الله عليه وسلم !!..

ومهين في الدنيا والآخرة من استهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم !!..

* * *

المبحث الأول

مقام النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه عز وجل

إنّ محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم هو النبي ، المعظّم ، المكرّم ، المعلاّ ، المجتبى ، المصطفى ، صاحب المقام المحمود والحوض المورود ، لا يداني باحة مجده بشر ولا ملك ، ولا يطرق ساحة جده مخلوق إذا سلك ..

فهو صلى الله عليه وسلم أقرب الخلق إلى الله وسيلة .. وأسمعهم لديه شفاعة .. وأعظمهم عنده جاهاً .. وهو صلى الله عليه وسلم أكرمهم عليه .. وأحبهم إليه..

أرسله ربه للإيمان منادياً.. وإلى الجنة داعياً.. وإلى صراطه المستقيم هادياً.. وبكل معروف آمراً وعن كل منكر ناهياً.. رفع له ذكره، وشرح له صدره، ووضع عنه وزره، وجعل الذِلّة والصَّغَار على من خالف أمره، والشفاعة والسعادة لمن تابع سيره..

هو الحبيب الذي ختم الرسالات***وجاء يهدينـــا نور النبــوَّات

هـــو الشفيع الذي سعــد الأنـام بـه**من ســار فـي هديه نال الكرمات

وصدق الله الذي قال فيه : ( وإن تطيعوه تهتدوا ) [2]

وليس كل هذا من دعاوى المحبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا من مبالغاتنا فيه عليه الصلاة والسلام ، بل كل ذلك من حقيقته وهي به حقيقٌ صلى الله عليه وآله وسلم .

وإننا في هذه الفقرة سنرى مقام المصطفى الحبيب عند ربه تبارك وتعالى، مستعرضين مظاهر التعظيم الإلهي والتكريم الرباني لمحمد صلى الله عليه وسلم فارشد بها ، واعرف نبيك أكثر، ومقامه الأسمى ومكانه الأعلى ، لتقوم بحقه حقاً.

1 ــ اصطفـــاؤه صلى الله عليه وسلم علـى البشـــرية :

نعم! إنّ محمداً صلى الله عليه وسلم هو خير من وطئ الحصى وخير من وطئ الغبراء وأفضل من مشى على الأرض من سائر البشر ، إذ ربه تبارك وتعالى عظّمه وكرّمه فجعله سيد ولد آدم ، وأرفع الناس نسباً ، وأشرفهم بيتاً ، وأفضلهم عشيرة ، فهو أنفس الناس على الإطلاق.

وهذا مصداق قوله تعالى ( لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رءوفٌ رحيمٌ )([3]).

وعند المفسرين الخطاب ههنا في [ جاءكم ] يحتمل أن يكون للعرب ، [ومن أنفسكم]: مَنْ تعرفونه من نقاوة جنسكم ، ويحتمل أن يكون الخطاب للبشر على الإطلاق ومعنى [ من أنفسكم ]: أنه من خير جنس البشر ، وقرأ ابن عباس والزهري( أنْفَسِكم )بفتح الفاء، من النفاسة والمراد من أشرف العرب والناس وأفضلهم، وأنسبهم، وأخيرهم([4]).

ويؤكّد هذا المقام ويُثبته ما صحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أنا سيد ولد آدم ، وأول من ينشق عنه القبر ، وأول شافع وأول مشفع ) ([5]).

وفي كتاب الفضائل من صحيح مسلم من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم )([6]).

وعند الطبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما يقول صلى الله عليه وسلم : ( إنّ الله خلق السموات سبعاً ثم خلق الخلق ، فاختار من الخلق بني آدم ، ثم اختار من بني آدم العرب ، ثم اختار من العرب مضر ، ثم اختار من مضر قريشاً ، ثم اختار من قريش بني هاشم ، ثم اختارني من بني هاشم ، فأنا خيارٌ من خيار ٍ)([7]).

فهو ـ إذنْ ـ المصطفى على الناس أجمعين ، والمقدّم على البشرية كافة ، والمجتبى المختار من بين الأصلاب تخيّراً وانتقاءً ، فمحمدٌ صلى الله عليه وسلم هو النبي الذي تنقاه الإله لدينه وكما قالوا:

وأفضل هديٍ هدي سمت محمد** نبيّ تنقَّـــاه الإله لدينه

عليه السلام كان في النصح رحمة**وفي بره للعالمين ولينــه

إمام هدىً ينجاب عن وجهه الدجى**كأنّ الثريا عُلِّقتْ بجبينه

2 ــ اصطفـاؤه صلى الله عليه وسلم على النبيين :

إنّ أنبياء الله تعالى ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ هم المصطفون الأخيار ، ثم اصطفى من سائر النبيين أولي العزم من الرسل الكرام وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام، ثم اصطفى رب العزة جلّ وعلا محمداً صلى الله عليه وسلم على سائر النبيين والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، فكان صلى الله عليه وسلم المصطفى على المصطفين، فهو مصطفى المصطفين وخير الأخيار وسيد المرسلين وإمامهم أجمعين صلى الله عليه وسلم .

أ ـ فربنا تبارك وتعالى أخذ العهد والميثاق على النبيين أجمعين أن يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ويقروا له بالنبوة والرسالة ، وأن من حضره أو عاصره أو أدركه وهو حي أن ينصره ، وهذا بلا شك دالٌّ على تقدّم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، وأنه المتبوع الإمام وأنهم التابعون المأمومون وإن كانوا هم خير البشر صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .

فالله تعالى يقول في ذلك : ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسولٌ مصدقٌ لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنّه. قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ؟ قالوا : أقررنا ، قال فاشهدوا وانا معكم من الشاهدين . فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) ([8]).

قال علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم : " ما بعث الله نبياً من الأنبياء إلاّ أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمداً صلى الله عليه وسلم وهو حي ليؤمنَنَّ به ولينصرَنَََّه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بُعث محمد وهم أحياء ليؤمنُنَّ به ولينصرُنَّه "([9]). ولهذا :

ب ـ لَمَّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس ليلة أسري به جمع الله له سائر النبيين والمرسلين ينتظرون مقدمه ليقدموا له واجب الإقرار بالنبوة والإمامة الدينية عليهم، فلما جاء صلى الله عليه وسلم فعلوا ذلك وقدّموه إماماً عليهم ليصلي بهم ركعتين في بيت المقدس عملاً بالميثاق وتحقيقاً للإقرار الذي أخذه الله عليهم ـ عليهم السلام ـ .

ج ـ ولأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد اصطفاه ربه تبارك وتعالى على النبيين أجمعين كان الأنبياء واجباً عليهم من أدركه منهم أو حضره أن يتبعه ويقوم بالدعوة على منهاجه وإقامة شرعته والحكم بسنته والاهتداء بهديه ، كما ورد عنه من حديث جابر رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلاّ أن يتبعني)([10]) . وليس المراد موسى وحده فهو رسول من الرسل بل هو من أولي العزم من الرسل ، فكل من كان بهذه الحال من الأنبياء ما وسعه إلاّ أن يتبع محمداً صلى الله عليه وسلم ، لأنه المتبوع الإمام المقدّم المطاع.

د ـ ولأنّه المصطفى على المصطفين الأخيار من النبيين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ كانت تكرمة الله لأمته أن ينزل عليهم في آخر زمان الأمة نبيٌّ من الأنبياء و رسولٌّ من الرسل بل أحد أولي العزم من الرسل ليقيم شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ويحكم بأحكامه على منهاج محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن عيسى عليه السلام سينزل في آخر الزمان فيحكم بكتاب الله ( القرآن) وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد تواترت الأحاديث والأخبار بنزول عيسى عليه السلام خليفة لمحمد صلى الله عليه وسلم في أمته، وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنا أولى الناس بعيسى بن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه خليفتي على أمتي وإنه نازل ) ([11]).

هـ ـ ولأنّه صلى الله عليه وسلم المصطفى على النبيين أجمعين ؛ جعله الله تعالى خاتم النبيين ، فلا نبي بعده ، كما جعل كتابه الذي أنزله على قلبه [ القرآن الكريم ] ليكون من المنذرين الكتاب الناسخ والمهيمن على الكتب السابقة المنزلة على الأنبياء، التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى ، وهذا هو معنى قوله تعالى ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه)([12]).

و ـ ولأنّ محمداً صلى الله عليه وسلم هو المصطفى على المصطفين الأخيار من الرسل الكرام ، يعترف له أهل النبوة يوم الحساب بتقدّمه وفضله فيُوجِّه أولوا العزم من الرسل الناس إلى صاحب المقام المحمود محمد بن عبد الله الرسول النبي الأمي صلى الله عليه وسلم ليلتمسوا عنده الشفاعة لهم من ربهم .

فقد ثبت في الصحيح أن الناس يأتون آدم ليشفع فيقول: نفسي نفسي ، وكذلك يقول نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ، وهؤلاء هم أولوا العزم من الرسل وهم أفضل الخلق ، ويقول لهم عيسى "اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر". يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( فإذا رأيت ربي خررت له ساجداً فيقول أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع واسئل تعط واشفع تشفع ) فيحد لي حداً ، فأدخلهم الجنة .. فهذا خير الخلق وأكرمهم على الله "([13]).

يا خير مبعوث وأفضل مرسل**وشفيع قوم أذنبوا وأساءوا

أنوارك العظمى إذا ما أشرقت**يوم القيامة فالورى سعداءُ

ز ـ ولأنّ رسولنا الحبيب محمداً صلى الله عليه وسلم هو المصطفى على النبيين أجمعين ، كُلِّف الأنبياء ـ عليهم السلام ـ بأن يبشِّروا أقوامهم والناس أجمعين بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم وبعثته في الناس كافة، فقاموا بالبشارة بمقدم البشير وببعثة الرحمة المهداة للعالمين، وبالتعريف به ، فعرفه أهل الكتاب كما يعرفون أبناءهم .

فكان صلى الله عليه وسلم دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام إذ دعوا الله ببعثه يقولان: ( ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ) ([14])..

وكان صلى الله عليه وسلم بشارة عيسى عليه السلام يبشر بأحمد المصطفى بني إسرائيل كما أخبر تعالى : ( وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد )([15]).

وكان صلى الله عليه وسلم معروفاً لتُلاةِ التوراة وقُرَّاء الإنجيل بسمته ووصفه وصفته ونهجه ورسالته وسماحته وقد قال تعالى ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) ([16]).

وكان صلى الله عليه وسلم معروفاً عند أهل الكتاب معرفة تامة كما يعرفون أبناءهم أو هي أتمّ وقد أخبرنا ربنا بذلك فقال وهو أصدق القائلين: ( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون )([17]).

فهاهو محمد صلى الله عليه وسلم المصطفى على المصطفين الأخيار والمجتبى على الرسل الكرام الأبرار ، فهو ـ إذنْ ـ كما أخبر: سيد ولد آدم بما فيهم الأنبياء فحق أن يُمتدَح:

يا خير من وطئ الغبراء أخمصه**ومن تطوف بالخضــرا له قــدم

يا سيد الرسل والأملاك أكرم منْ**دبت به الروح وانجابت له الظلم

يا صفوة الله من لي أن أراك وقد **سريت تجتاز ما تكبو به العــزم

3 ــ رفــــــــع ذكـــــــــره صلى الله عليه وسلم :

ومن مظاهر التعظيم الإلهي للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أنّ الله تعالى رفع له ذكره من دون العالمين من خلقه ، وما ذاك إلاّ لأن محمداً صلى الله عليه وسلم مقدّم مفضّل ولأنّه أكرم الخلق على الله وأحب الخلق إلى الله ، ولذلك :

ـ فإنّه لا إيمان بل ولا إسلام إلاّ بإقرار الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم مع الإقرار بالربوبية والألوهية لله تعالى ، فكلمة التوحيد حرفان لا يتحقق التوحيد بأحدهما دون الآخر حرف :( لا إله إلا الله ) والحرف الآخر ( أن محمداً رسول الله ) فمن أقر لله بالتوحيد ولم يقر لمحمد بالنبوة والرسالة كان كافراً ، فكان لا بدّ أن يرفع ذكر محمد مع ربه تبارك وتعالى .

ـ ويجعل الله تعالى ذكر محمد صلى الله عليه وسلم مرفوعاً على الدوام كلما نادى منادي الصلاة ، مع أن الصلاة تقام لذكره تعالى ، إلاّ أن النداء إلى تلك الصلاة لا بدّ أن يشتمل على ذكر محمد صلى الله عليه وسلم ، ففي كل دقيقة وثانية ولحظة يرفع المنادون الأذان في مشارق الأرض ومغاربها فيرفع ذكر محمد صلى الله عليه وسلم .

فأي تعظيم يرجى مع هذا التعظيم ؟! وأيّ تبجيل يكون أعلى من هذا التبجيل ؟! وأيّ رفعة لإنسان غير محمد عرفت لأحد في تاريخ الناس ؟!.

فصدق الله الكريم المنّان الذي يمنّ على رسوله صلى الله عليه وسلم بهذا التعظيم والتكريم قائلاً له : ( ألم نشرح لك صدرك . ووضعنا عنك وزرك. الذي أنقض ظهرك . ورفعنا لك ذكرك )([18]).

فأعظم به من نبيٍّ كريم:

أغـرّ عليـه للنبـوّة خاتـمٌ **من الله ميمونٌ يلوح ويُشْهَـدُ

وضم الإله اسم النبي إلى اسمه**إذا قال في الخمس المؤذن أشهدُ

وشق له مـن اسْمِـهِ ليُجِلَّـه**ذو العرش محمودٌ وهذا محمدُ

4 ــ المحبـــوب المستـرضَــىَ صلى الله عليه وسلم :

إنّ محمداً صلى الله عليه وسلم هو أحب الخلق إلى الله تعالى ، ودليل ذلك ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما : " ما خلق الله ولا ذرا ولا برأ نفساً أحب إليه من محمد صلى الله عليه وسلم ، وما سمعته أقسم بحياة قط غيره ، ثم قرأ ( لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ) ([19]).

بل إنّ الله تعالى تعظيماًَ لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم اتخذه خليلاً، والخلّة أعظم مراتب المحبة وأعلاها، ولذلك جعلها لمحمد صلى الله عليه وسلم ، فقد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: ( قد اتخذ الله عز وجل صاحبكم خليلاً ) ([20]). وقال : ( ألا إني أبرأ إلى كل خِلٍّ من خِلِّه، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ، ولكنْ إن صاحبكم خليل الله ) ([21]).

والخليل لا يترك خليله ولا يفارقه ، فهو معه على الدوام، وهو يرافقه في كل أوان ، ولهذا يُعرف المرء بخليله .

وكذلك رب العزة جلّ وعلا ، فإنه سبحانه أكّد لرسول الله صلى الله عليه وسلم صفيّه وخليله أنه غير مفارقه ولا تاركه ، تحقيقاً للخلة لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وذلك بالقسم العظيم يقول له تعالى( والضحى . والليل إذا سجى . ما ودعك ربك وما قلى . وللآخرة خيرٌ لك من الأولى ) ([22]).

غير أنّ نبينا الكريم ـ عليه أفضل الصلوات وأتم التسليمات ـ زاده ربه بكرمه ومنّه تكريماً وتعظيماً فجعله صلى الله عليه وسلم المحبوب المسترضَىَ..

* يرضيه ربه فيعطيه ما أراد من الخير له ولأمته حتى يرضى صلى الله عليه وسلم يؤكّد له ذلك رب العزة يقول له : (ولسوف يعطيك ربك فترضَى ) ([23]).

* ويمنيه ربه أنّه سيرضيه وعداً قاطعاً من رب قادر كريم يعطي الجزيل يعد خليله وهو له محب فيقول له : ( فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى) ([24]).

* ويرضيه ربه تبارك وتعالى فيوليه القبلة التي يرضاها وقد قال له في ذلك ( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ) ([25]).

* ويرضيه ربه جل وعلا في أمته فيختار له من بين الأمم أمة الإسلام وهي خير أمّة أخرجت للناس .

* ويرضيه ربه جل شأنه في كتابه فيجعل كتابه هو المهيمن الناسخ لسائر الكتب سواه ، وحفظه له .

* ويرضيه ربه جل جلاله في النبوة فيجعله خاتم النبيين حيث لا نبي بعده .

* ويرضيه ربه عز وجل في الدين فيجعل دينه المرضي عنده ، بل يجعل دينه هو الدين الذي لا يقبل الله سواه فقال له ولأمته ( ورضيت لكم الإسلام ديناً )([26]) وقال تعالى ( إنّ الدين عند الله الإسلام )([27]) وقال سبحانه ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين )([28]).

* ويرضيه ربه تبارك اسمه في صحابته فيرضى عنهم ويرضيهم وقد أنزل عليه فيهم ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم ) ([29]).

فماذا أبقى له ربه تبارك وتعالى مما له به صلة ، إلاّ وأرضاه صلى الله عليه وسلم فيه ، فكان صلى الله عليه وسلم هو محبوب الله تعالى المسترضَى من ربه الكريم المنّان .

[5] اقتران لزوم محبته صلى الله عليه وسلم بلزوم محبة اللـه تعالى: ([30])

الله تعالى أوجب محبة نبيه صلى الله عليه وسلم كما أوجب محبته هو سبحانه، غير أنه تعظيماً للنبي صلى الله عليه وسلم ورفعاً لقدره وتنبيهاً لمقامه عند ربه ؛ قرن لزوم محبة نبيه صلى الله عليه وسلم بلزوم محبته عز وجل ، ليعرف الناس أن محمداً يجب أن تكون محبته عظيمة وأنه لا يعلو محبة رسول الله إلاّ محبة الله تعالى ، فقال تعالى : ( قُلْ إنْ كَانَ آباؤكُمْ وأَبناؤكُمْ وإخْوَانُكُمْ وأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ، وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا ، أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ في سَبِيلِهِ، فَتَرَبَصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ ، وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين ) ([31]).

يقول القاضي عياض رحمه الله تعالى:»... فكفى بهذا حضَّاً وتنبيهاً ودلالة ، وحجة على إلزام محبته ، ووجوب فرضها، وعظم خطرها، واستحقاقه لها صلى الله عليه وسلم ، إذ قرَّع تعالى من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله ، وأوعدهم بقوله تعالى( فَتَرَبَصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ ) ثم فسَّقهم بتمام الآية (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين) وأعلمهم أنهم ممن ضلَّ ولم يهده الله.. « ([32]).

فهاهو صلى الله عليه وسلم لا يداني باحة مجده بشر ولا ملك ، ولا يطرق ساحة جده مخلوق إذا سلك .

[6] اقتران اسمه صلى الله عليه وسلم مع اسم الله عز وجل :

والله تعالى ينبِّه إلى مدى قرب محمد نبيه صلى الله عليه وسلم منه تبارك وتعالى، كيف لا وهو صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، وخيرته في خلقه ، كيف لا وهو صلى الله عليه وسلم أحب الخلق إلى الله ، وأكرمهم على الله ..

* فقرن اسمه مع اسمه في فوز الطاعة فقال : { وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزَاً عَظِيماً } ([33])..

* وقرن اسمه مع اسمه في ضلال العصيان فقال: { وَمَنْ

يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينَاً } ([34]) ..

* وقرن اسمه مع اسمه سبحانه في مطلوب الإرضاء فقال ( يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إنْ كانوا مؤمنين )([35]).

* وقرن اسمه مع اسمه جل وعلا في التبرِّي من المشركين فقال ( براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين )([36]).

* وقرن اسمه مع اسمه في منع الموادة لمن يحادده عز وجل فقال : { لا تَجِدُ قَوْمَاً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَومِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}([37])..

[7] جعل اتباعه وطاعته صلى الله عليه وسلم من لوازم طاعة الله و محبته:

والله تعالى ينبه على قدر نبينا صلى الله عليه وسلم فيجعل محبة الله وطاعته جل وعلا في اتباع وطاعة الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم .

* فوضع محبته تعالى في اتباعه صلى الله عليه وسلم فقال: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ..}..([38])

* وجعل طاعته تعالى في طاعته صلى الله عليه وسلم فقال : { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ ، وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظَاً}.. ([39])

* ونفى الإيمان عمن تشكك في حكمه صلى الله عليه وسلم وتحرَّج ، فقال : { فَلا وَرَبِكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لا يَجِدُواْ في أَنْفُسِهِمْ حَرَجَاً مِمَّا قَضَيْتَ ، وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمَاً}([40])

فهذا هو مقام النبي صلى الله عليه وسلم الذي رفعه الله عز وجل إليه فكان أسمى مقام وأعلى مكان وهو به حقيق عليه الصلاة والسلام ؟.

[8] الممدوح المزكَّى من ربه تعالى:

إن الله تعالى زكى رسول الله صلى الله عليه وسلم تزكية تفرد بها عليه الصلاة والسلام عن غيره من كل من زكاهم الله عز وجل ، فكأنّ تعالى تتبّع في محمد عليه السلام كل شئ فمدحه فيه وزكّاه ، ولو تتبعنا القرآن لوجدناه بجله إن لم يكن بكله مدحاً وتقريظاً وتزكية وتعظيماً وتوقيراً لمحمد صلى الله عليه وسلم .

فكيف يا أخا الإسلام ترى نبيك والله تعالى يمدحه ذاتاً ورسالة ، فذاته زكيّ، ورسالته زاكية ، وشخصه ممدوح ودينه محمود ؟، كيف تراه والله يزكّي فيه كل شئ ، أعضاءه وجوارحه ، همه ومهمته ، صحبه وأهله ، معلمه ومتبعه . كل ذلك وأولئك ممدوح في رسول الله وبرسول الله .

· فالله تعالى زكَّى لسانه فقال : { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىَ . إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىَ } ([41])

· وزكَّى صدره فقال : { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك } ([42])

· وزكَّى عقله فقال: { مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى }([43])

· وزكَّى بصره فقال : { مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى }([44])

· وزكّى أذنه فقال: ( قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم ) ([45]).

· وزكّى فؤاده فقال : ( ما كذب الفؤاد ما رأى )([46]).

·وزكَّى عمره فقال: { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون}([47])

· وزكَّى صفته فقال : { بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ } ([48])

· وزكَّى قلبه فقال:{ وَلَوْ كُنْتَ فَظَّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاْنفَضُّوا مِنْ حَوْلِك}([49])

· وزكَّى ذكره فقال : { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك } ([50])

· وزكّى أهله فقال ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ) ([51]).

· وزكَّى جليسه فقال : { عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىَ } ([52])

· وزكّى أمته فقال: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)([53]).

· وزكّى صحابته فقال ( والذين معه أشدّاء على الكفار رحماء بينهم ) ([54]).

· وزكَّى صلاته فقال: { إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ } ([55]).

· وزكّى رسالته فقال ( هو الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ) ([56]).

· وزكّى دينه فقال ( ورضيت لكم الإسلام ديناً )([57]).

· وزكّى وجوده فقال ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) ([58]).

· وزكَّى فعاله فقال:{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىَ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}([59])

· وزكَّى خلقه فقال : { وَإِنَّكَ لَعَلَىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ } ([60]) .

وأحسن من قال :

يا بني الإسلام صونوا دينكم**ينبغــي للدين أن لا يُطَّــرحْ

واحمدوا الله الذي أكرمكــم **بنبيٍّ قـام فيكــم فنصــحْ

بنـبـيٍّ فتـح الله بــه **كل خـير نلتمـوه وشــرحْ

مرسلٌ لو يوزن الناس بـه **في التقى والبر شالوا ورجــحْ

فرسول الله أولى بالعُــلا**ورسـول الله أولَـى بالْمِــدَحْ

المبحث الثاني

مظاهر الحماية الربانية لنبيّه الكريم صلى الله عليه وسلم

( أليــس اللَّه بكافٍ عبـــــده؟!!)

لم يحتجْ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نصرة أحد من الناس ، وقد كفاه الله النصرة والحماية وتولاه بالرعاية والعناية ، واكتنفه بعصمته القادر القاهر الغالب على أمره تبارك وتعالى فأنزل عليه قوله الواعد القاطع ( والله يعصمك من الناس ) ويؤكّد له سبحانه أنه كافيه من سوء أهل السوء وشر الأشرار وترصّد الكفار وتآمر الفجار فقال عز وجل ( أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد )([61]).

ثم إنه تبارك وتعالى هو مولاه وحسبه ، وما احتاج رسول الله صلى الله عليه وسلم لنصير أو ظهير إلاّ كان الله هو مولاه وظهيره: روح القدس جبريل مع الملائكة وصالح المؤمنين ، كما صرّح ربه تعالى بذلك فقال ( وإنْ تظاهرا عليه فإنّ الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير )([62]).

بل إنه تعالى يؤكّد لرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم أنه حسبه في كل حين وقد قال ( يآ أيها النّبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)([63]).

ولذلك فإنّ نصرة المؤمن لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ذلك للمؤمن، لحاجته أن ينصر رسول الله لا لحاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في نصرته، فنفْعُ ذلك ينعكس على المؤمن المحب لا على الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولأنّ نصرة المؤمن لرسوله صلى الله عليه وسلم من مقتضيات الإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم ، ولأن نصرته صلى الله عليه وسلم هي حق المصطفى الحبيب الآكد على كل مؤمن محب وقد قال تعالى(إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً. لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً) ([64]).

فذكر تعالى حقاً مشتركاً بينه وبين رسوله صلى الله عليه وسلم وهو الإيمان، وحقاً خاصاً به تعالى وهو التسبيح ، وحقاً خاصاً بنبيه صلى الله عليه وسلم وهو التعزير والتوقير."والتعزير اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه ، والتوقير اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة ، من الإجلال والإكرام ، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار"([65]).

أنــواع وصـــور الكفـــاية والعصمــة :

لقد كفى الله عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعصمه من الناس وأذاهم جميعاً ، سواء أكان الأذى مادياً أو جسدياً أم كان معنوياً وفكرياً ، فكانت الكفاية والعصمة على نوعين: العصمة من الأذى المادي والجسدي ، والعصمة من الأذى المعنوي والفكري.

أولاً: العصمة والكفاية من الأذى المادي والجسدي:

فالرسول صلى الله عليه وسلم كفاه الله أذى الكفار والمشركين والمعاندين والأعداء المتربصين به وبدعوته كله، وفي هذه العجالة نذكر نماذج وصوراً للعصمة من الأذى المادي.

1ـ أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو جهل : " هل يعفّر محمد وجهه بين أظهركم ، قال : فقيل : نعم . فقال : واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب " قال فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى زعم ليطأ على رقبته ، قال : فما فجأهم منه إلاّ وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه قال فقيل له : مالك ؟ فقال : إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً )([66]) فأنزل الله عز وجل ( كلا إن الإنسان ليطغى ... أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى ... أرأيت إنْ كذّب وتولى ... كلا لئن لم ينته لنسفعاً بالناصية ...) ([67]).

2ـ والملأ من قريش اجتمعوا في الحجر فتعاقدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ونائلة وإساف:"لو قد رأينا محمداً لقد قمنا إليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى نقتله". وأخبرته ابنته فاطمة بالذي قالوا فجاءهم وحصبهم بقبضة من تراب([68]) يصدّق وعد الله القوي العزيز: (والله يعصمك من الناس ). فما أصاب أحدهم منه إلاّ قُتل يوم بدر وأُلقي في القليب .

3ـ وهذه أم جميل العوراء امرأة أبي لهب ـ حمالة الحطب في جهنم ـ حين سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن (تبت يدا أبي لهب تب... وامرأته حمالة الحطب...) السورة . أقبلت ولها وَلْوَلَةٌ ، وقد ملأت كفها من حجارة ، وهي تقول :

مذمماً عصينا وأمره أبينا ودينه قلينا

والنبي صلى الله عليه وسلم في المسجد( عند الكعبة) فقال أبوبكر رضي الله عنه : " يارسول الله ! قد أقبلت وأخاف أن تراك ) قال صلى الله عليه وسلم : ( إنها لن تراني ) وقرأ قرآناً فاعتصم به، وقرأ ( وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً)([69]) فوقفت على أبي بكر ولم تر النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : " إني أخبرت أن صاحبك هجاني، ثم ولّت([70]).وصدق الله وعده لرسوله(والله يعصمك من الناس).

4ـ ويروي جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنهم عندما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة ذات الرقاع، فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاة فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون الشجر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة علق بها سيفه ، قال جابر : "فنمنا نومة ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا، فجئناه ، فإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتاً ، فقال لي: من يمنعك مني ؟فقلت له : الله ، فها هو ذا جالس )([71]).

وعند الواقدي وابن سعد أنّه عندما وقف بالسيف على رأس الرسول صلى الله عليه وسلم قال : من يمنعك مني اليوم ؟ فقال صلى الله عليه وسلم :( الله ) فوقع السيف من يده ، فأخذه الرسول صلى الله عليه وسلم ووقف على رأسه قائلاً: ( من يمنعك مني اليوم ؟ ) قال : "لا أحد "([72]).

وصدقه الله وعده ( والله يعصمك من الناس ).

ثانياً: العصمة والكفاية من الأذى المعنوي والفكري:

وإذا كان الله تعالى عصم رسوله ونصره وحماه من كل أذى مادي وجسدي ؛ فهو كذلك ربه الذي عصمه وكفاه من كل أذى معنوي أو فكري .

فربه تبارك وتعالى كان المدافع عنه صلى الله عليه وسلم ، والمنافح عن جنابه الشريف ، والرادّ على المسيئين له ، والمعاقب للمؤذين له، وكافيه المستهزئين ، فما قيل في رسول الله شئ لا يليق به ؛ إلاّ تولى ربه تعالى الردّ يتوعّد ويهدّد بل ويسارع بالمؤاخذة ، دفعاً لكل جوانب الإيذاء ، وإبعاداً لكل صور الإساءة التي قد تنال من رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل المشركين الهازئين والكفرة المعاندين وأعدائه المتربصين ، وقد صدق الله رسوله وعده ( يا أيها النبي حسبك الله ). وقد كان حسبه ربه ([73]).

1ـ فهذا أمية بن خلف الكافر الرعديد كان إذا رأى رسول الله همَزَه ولَمَزَه، فأنزل الله تعالى فيه يتوعده بالويل : (ويل لكل همزةٍ لمزةٍ . الذي جمع مالاً وعدده . يحسب أن ماله أخلده . كلاّ ليُنبذن في الحطمة . وما أدراك ما الحطمة. نار الله الموقدة . التي تطلع على الأفئدة . إنها عليهم مؤصدة . في عمد ممددة ) ([74]).

2ـ وهذا العاص بن وائل السهمي المشرك الصنديد مرّ يوماً على خباب بن الأرت صاحب رسول الله وكان قيناً بمكة يعمل السيوف وكان قد باع من العاص بن وائل سيوفاً عملها له حتى كان له مال فجاءه يتقاضاه فقال له يا خباب أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذي أنت على دينه أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم ؟ قال خباب: بلى. قال: فأنظرني إلى يوم القيامة يا خباب حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك هناك حقك ، فوالله لا تكون أنت وصاحبك يا خباب آثر عند الله مني ولا أعظم حظاً في ذلك." فأنزل الله تعالى فيه يتوعده الوعيد الشديد :( أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالاً وولداً . أطلع الغيب أم اتخد عند الرحمن عهداً. كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مداً . ونرثه ما يقول ويأتينا فرداً )([75]).

3ـ وهذا النضر بن الحارث الأفاك الأثيم كان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً فدعا فيه إلى الله تعالى وتلا فيه القرآن وحذر قريشاً ما أصاب الأمم الخالية خلَفَهُ في مجلسه إذ قام فحدثهم يقصّ عليهم أخبار رستم السنديد واسفنديار وملوك فارس ثم يقول : "والله ما محمد بأحسن حديثاً مني ، وما حديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما اكتتبتها" فأنزل الله فيه يتوعده بالويل : ( ويل لكل أفاك أثيم. يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم )([76]).

6ـ وهذا أبي بن خلف الكافر المجرم يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيده عظمٌ بالٌ قد أرمَّ ، فقال : يا محمد ! أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرمَّ ؟ ثم فته بيده ، ثم نفخه في الريح نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نعم أنا أقول ذلك ، يبعثه الله وإياك بعدما تكونان هكذا ثم يدخلك الله النار ) فأنزل الله تعالى فيه ( وضرب لنا مثلا ًونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم؟ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم .... ) إلى آخر السورة ([77]).

5ـ وهذا أبو جهل الأحمق أجهل الجاهلين صاحب الجهل المركب الضارب في أعماق الغباوة والجهالة ، لما ذكر الله عز وجل شجرة الزقوم ، قا ل ـ لعنة الله عليه ـ : يا معشر قريش ! هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد ؟ قالوا: لا؛ قال: عجوة يثرب بالزبد ، وفي رواية: تمر مضروب بالزبد ، والله لئن استمكنا منها لنتزقمنها تزقّماً وقال : هلم فلنتزقّم . فأنزل الله تعالى فيه متوعداً إيّاه بأنواع الوعيد والعذاب الشديد يقول فيه ( إن شجرة الزقوم . طعام الأثيم . كالمهل يغلي في البطون . كغلي الحميم . خذوه فاعتلوه في سواء الجحيم . ثم صبّوا فوق رأسه من عذاب الحميم . ذق إنك أنت العزيز الكريم ) ([78]).

6 ـ وهذا أبو لهب لما واجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإساءة والإيذاء ، وهو يدعو إلى ربه لما جمع الناس يوماً في الصفا يقول لهم: ( أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدقوني ؟ ) قالوا : بلى . قال : ( فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد ) فقال الملعون أبو لهب:" تباً لك ألهذا دعوتنا ؟ " فأنزل الله فيه وعيده الشديد الأكيد ( تبت يدا أبي لهب وتب . ما أغنى عنه ماله وما كسب. سيصلى ناراً ذات لهب. وامرأته حمالة الحطب . في جيدها حبلٌ من مسد ) ([79]).

7 ـ وهذا الوليد بن المغيرة الكافر الجاحد المنكر العنيد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن وكأنه رقَ له ، فبلغ ذلك أبا جهل ، فقال له: "ياعم إنّ قومك يريدون أنْ يجمعوا لك مالاً ليعطوكه "فقال : "قد علمت قريش أني من أكثرها مالاً "قال : فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكرله وكاره ، قال: وماذا أقول ؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني .. والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا ، والله إنّ لقوله الذي يقول لحلاوة ،وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّه لمثمر أعلاه ، مغدق أسفله ، وإنه ليعلوا وما يُعلى" قال:"لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه " قال : "فدعني حتى أفكر فيه " فقال : " هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره ". فأنزل الله تعالى فيه يتهدّده ويتوّعده يقول : ( ذرني ومن خلقت وحيدا...كلا إنه كان لآياتنا عنيداً . سأرهقه صعوداً . إنه فكر وقدر . فقتل كيف قدر . ثم قتل كيف قدر . ثم نظر . ثم عبس وبسر . ثم أدبر واستكبر . فقال إنْ هذا إلا سحر يؤثر. إنْ هذا إلا قول البشر . سأصليه سقر . وما أدراك ما سقر . لا تبقي ولا تذر . لواحة للبشر . عليها تسعة عشر )([80]).

وهكذا انتصر رب محمد لمحمد صلى الله عليه وسلم ، ما فوّت لأعداء رسول الله شيئاً ، وما حاولوا أن يؤذوه بشئ إلاّ كان لهم فيه بالمرصاد ، فصدقه ربه حين قال له ( يا أيها النبي حسبك الله ) فكان جل وعلا حسبه وكافيه وناصره وحاميه.

إنَّــــا كفينـــاك المستهــــزئين :

ومع أنّ الله تعالى وعد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بالكفاية والعصمة، ووفّى له ما وعده ، زاده وفاءً بالأخذ الشديد العاجل لرؤوس الإساءة والعداوة ، وكبراء السخرية ، ورواد الإيذاء ، وعظماء الاستهزاء ، فأنزل عليه قوله الصادق المحقق : ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين . إنا كفيناك المستهزئين ) ([81]).

وعظماء المستهزئين كانوا خمسة وهم : الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث ، والأسود بن المطلب بن زمعة ، والحارث بن عيطل ، والعاص بن وائل السهمي . فاشتدّ إيذاؤهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكثر استهزاؤهم له ، فشكاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ربه ، فأرسل إليه جبريل عليه السلام ، فنزل إليه جبريل وهم يطوفون بالبيت فقام جبريل وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ..

ـ فمر به الوليد بن المغيرة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل : هذا منهم ، فأشار جبريل إلى أنمله وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : كُفيته . فمر الوليد برجل من خزاعة يريش نبلاً فتعلق سهم بإزاره فخدشه في أنمله فانتقض عليه حتى قتله .

ـ ومرّ به الأسود بن عبد يغوث الزهري فقال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل : وهذا منهم . فأشار جبريل إلى رأسه قال لرسول الله: كُفيته . فخرج في رأسه قروح فامتحض قيحاً حتى قتله.

ـ ومرّ به الأسود بن المطلب فقال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل : وهذا منهم . فرمى جبريل في وجهه بورقة خضراء ، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : كُفيته . فأصيب بالعمى وصار يقول : يا بني ! ألا تدفعون عني ! قد قتلت . فجعلوا يقولون : ما نرى شيئاً . وهو يقول : يا بني ألا تمنعون عني قد هلكت ، ها هو ذا الطعن بالشوك في عيني ، فجعلوا يقولون: ما نرى شيئاً فلم يزل كذلك حتى مات.

ـ ومرّ به الحارث بن عيطل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل : وهذا منهم ، فأشار جبريل إلى بطنه وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : كُفيته . فاستسقى بطنه وأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فِيه فمات منها .

ـ ومرّ به العاص بن وائل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل : وهذا منهم . فأشار إلى أخمص رجله ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم : كُيته . فخرج على حمار له يريد الطائف فربض به حماره على شُبرقة [ شوك ] فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته .

وهكذا كفاه ربه تبارك وتعالى وصدق وعده فأخذ المستهزئين أخذ عزيز مقتدر ، عاجلاً غير آجل ، ونالهم من العذاب المهين في الحياة الدنيا قبل الآخرة ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون فتحقّق وعد الله لرسول الله ( إنّا كفيناك المستهزئين ).

وإنّ الذين يؤذون رسول الله اليوم سيكفيه الله هؤلاء ، والله الذي كفاه المستهزئين وهو حي يمكنه دفعهم والدفاع عن عرضه وفكره، لقادر أن يكفيه المستهزئين اليوم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو رسول الله طاب حياً وميتاً ، فهو أيضاً منصورٌ حياً وميتاً .

* * *

المبحث الثالث

مقام النبي صلى الله عليه وسلم عنـد المسلمـين

إنّ المؤمن لا يصْدق إيمانه ولا يتحقق أصلاً إلاّ إذا كان يرى نبي الله صلى الله عليه وسلم وأفضل الخلق ، أعظم البشر . بل حتى يجد في نفسه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليه منها ، وأغلى عليه من كل شئ في الوجود ، نفسهِ ومالهِ وولدهِ ووالدهِ والناسِ أجمعين.

** فالرسول صلى الله عليه وسلم أولى لكل مؤمن من نفسه كما قال تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من انفسهم) ([82]).

** والرسول صلى الله عليه وسلم تعظيمه في قلب وعقل وسلوك المسلم واجب حتمي لا تبقى وشائج المحبة له صلى الله عليه وسلم إلاّ به ، فالله تعالى يجعل من مقاصد بعثته وإرساله إلى جانب الإيمان به تعظيمه وتوقيره فقال سبحانه :انَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ([83]). كما جعل تعالى تعظيمه وتوقيره من دلائل الفوز ومجالب الفلاح حيث قال: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ([84]).

والتعزير هو التعظيم ، والتوقير هو الإجلال والتكريم ـ كما سبق بيانه ـ.

وإن تعظيمه وتوقيره يجب أن يكون له ولهديه وسنته في حياته وبعد مماته.

فقد عُظم النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم من أصحابه كما يليق به عليه الصلاة والسلام ، وقد صوّر لنا عروة بن مسعود الثقفي رضي الله عنه هذا التعظيم والإجلال حين رجع إلى قريش بعد مفاوضة النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية فقال: " أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك ، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، والله إنْ رأيت ملكاً قط يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمد محمداً ، والله إنْ تنخّم نُخامة إلاّ وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيماً له."([85]).

** والرسول صلى الله عليه وسلم حقّه آكد عند المؤمن من حق ووالده وولده والناس أجمعين ، وقد جاء في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( فو الذي نفسي بيده؛ لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ) ([86])..

وقال ابن بطال رحمه الله:» من استكمل الإيمان علم أن حق النبي صلى الله عليه وسلم آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين ، لأنه به صلى الله عليه وسلم استنقذنا الله من النار وهدانا من ضلال.« ([87]).

ـ ومن حقوق النبي صلى الله عليه وسلم الواجبة على الأمة :

1ـ محبته وتقديمها على سائر المحاب: ويؤكد هذا الحق الحديث السابق( فوالذي نفسي بيده؛ لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين).

2ـ اتباعه وطاعته في كل ما أمر ونهي: ولهذا قال سفيان في معنى محبة الرسول صلى الله عليه وسلم : » المحبة اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم . « ([88]).

3ـ بذل المودّة لذوي قرباه : وقد قال تعالى: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ([89]).وعن أبي بكر رضي الله عنه قال : " ارقبوا محمداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته "([90]).

4 ـ التحاكم إليه في كل شأن: وقد قال تعالى( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ([91]).

5 ـ عدم الصبر على أذاه:

فالمؤمن الصادق لا يقدر على تحمّل الأذى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يصبر على ذلك مهما كا

 

 

  مجتمع الإخوان

  دعوة وتربية

  الأسرة المسلمة

  مراقبو الإخوان

  رسالة المراقب العام

  رياضة

  خطب الجمعة

الإخوان في العالم

الإخوان في الإعلام

كتب ومطبوعات

روابط أخرى

المسابقات

الإخوان في العالم

الجماعة الاسلامية بسيرلانكا الجماعة الاسلامية بسيرلانكا عميقة الجور في هذا البلد الاسيوي الصغير والجماعة الاسلامية بسيرلانكا تعمل منذ العام 1955م

 

الإخوان المسلمون 2018 : الخرطوم السودان :: للاتصال : info@ikhwan.sd    التصميم والدعم الفني لمسة الهندسية Lmssa.com