الصفحة الرئيسية : تعرف على الإخوان : فكر : تاريخ الجماعة : اتصل بنا

     جديد الموقع : الولايات : العاصمة : الأخوات المسلمات : رسائل الامام : المكتب السياسي : الوسائط                                 

 

   جديد الأخبار: المراقب العام للإخوان المسلمين عوض الله حسن لـ”التيار" :: الاخوان المسلمون يرفضون التعديلات الدستورية :: التطبيع القضية الخائبة :: التطبيع جريمة :: قصة انسحاب النواب :: واجبنا تجاه غزة أرض الرباط :: أحزاب تهدد بالانسحاب من البرلمان بسبب قانون الانتخابات

 

  الدورة التربوية الدعوية الرمضانية الثامنة

  الدرس الاسبوعي في رسالة ابن ابي زيد القيرواني

  خطب الجمعة

  شرح موطأ مالك

 

 

 

بيان حول التطبيع مع إسرائيل

 

 

 

  

 

 
  جديد الموقع

معايير النجاح التنظيمي وثنائياته الكبرى

بقلم/ د.محمد المختار الشنقيطي



لم يعد التنظيم موهبة فردية تتوقف على عبقرية القائد الفرد، بل أصبح علما راسخا له أصول وقواعد يحتاج العاملون للإسلام إلى استيعابها، فخدمة الدين بوسائل متخلفة عن عصرها تفريط لن يقود إلى التمكين، بل الأسوأ من ذلك أنه يؤثر سلبا على رؤية الناس للدين ذاته، ويقنطهم من تحقيق العدل في ظلاله.

وفيما يلي ستة معايير للنجاح التنظيمي، يمكن اعتبارها صالحة للحكم على التنظيمات السياسية والاجتماعية عموما، بغض النظر عن التفاصيل والخصوصيات، يتلوه عرض للثنائيات الكبرى في الفكر التنظيمي. وقد حصرنا هذه الثنائيات بناء على استقرائنا لتجارب الحركات الإسلامية في ثمان، وهي الشكل والمقصد، الإسرار والإعلان، العمق والامتداد، العموم والخصوص، التميز والانعزالية، الالتزام والمبادرة، الوحدة والتباين، الفصل والوصل.


فلنبدأ بمعايير النجاح التنظيمي.


أولا: معيار المرونة:

فكلما كان مستوى المرونة عاليا، كان ذلك أدعى لنجاح التنظيم. والمرونة أنواع ثلاثة:


مرونة وظيفية: تتعلق بأهداف التنظيم ووظائفه، بأن يكون التنظيم قادرا على تغيير بعض أهدافه المرحلية ووظائفه العملية التي تم إنجازها أو تعذر إنجازها، واستبدالها بأهداف ووظائف أهم في الظروف الجديدة أو أيسر من حيث الإنجاز. وكل تنظيم لا يستطيع التحرر من بعض وظائفه وأهدافه المرحلية، وتبنِّي وظائف وأهداف أكثر انسجاما مع إمكاناته في الظروف المتغيرة، فهو محكوم عليه بالجمود والموت البطيء. على أن التحرر من الأهداف المرحلية أو بعض الوظائف العملية، لا يعني تحررا من المبادئ والغايات العليا التي هي مبرر وجود التنظيم.


مرونة إجرائية: تتعلق ببنية التنظيم وإجراءاته الداخلية ذات الصلة بتغيير قادته واتخاذ قراراته. بأن يكون التنظيم قادرا على تغيير قيادته بيسر، وبأسلوب مرن يفتح باب الصعود إلى القيادة والنزول منها، بناء على معايير موضوعية لا شخصية، ودون انقطاع في المسيرة أو تمزق في الصف، وقادرا على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب دون تلكؤ أو عرقلة.


مرونة عملية: تتمثل في تعاطي التنظيم مع التحديات المتغيرة بأسلوب متغير، دون جمود على الأساليب السابقة، حتى ولو أثبتت جدواها في الماضي. بل إن نجاحها في الماضي قد يكون أحيانا مغريا بالتشبث بها في واقع مغاير، فيدخل الخلل من هذا الباب، ويسقط التنظيم ضحية لنجاحاته وأمجاده السالفة.


ثانيا: معيار التماسك:

فكلما كان تماسك التنظيم أقوى، كان ذلك قرينة على نجاحه وإمكانية صموده أمام التحديات. ويتطلب التماسك الفعال قدرا كبيرا من الإجماع الداخلي حول أمور جوهرية ثلاثة:


طبيعة التنظيم ورسالته: لا على مستوى الهدف الأسمى ومبرر وجود التنظيم فحسب - فذلك أمر سهل لأنه أمر نظري– بل على مستوى الأهداف المرحلية الأساسية، والوسائل الفعالة التي ينبغي تبنيها لتحقيق تلك الأهداف.


قيادة التنظيم: هيكلا وصلاحيات وأشخاصا. وتلك هي الشرعية الداخلية التي تعتبر أكبر ضامن للتماسك وأعظم حام للوحدة.

وسائل حل الخلافات الداخلية طبقا لترتيبات متفق عليها، بحيث يمكن احتواء تلك الخلافات – سواء تعلقت بالتوجه أو بالمسيرة أو بالقيادة– بأسلوب سلمي مرن، لا يؤثر انشقاقا في هيكل التنظيم، أو تعثرا في مسيرته، أو انحرافا في وجهته.


ثالثا: معيار الاستقلالية

والمراد به أن يكون للتنظيم كيان معنوي وشخصية اعتبارية متميزة عن الأفراد والقوى الاجتماعية المكونة له، بحيث لا يتوقف في وجوده ولا في فاعليته على غيره من القوى، ولا يكون أداة لخدمة أي منها. بل يكون مُكرَّسا لخدمة الأهداف التي من أجلها أُنشئ. إن تنظيما استطاعت قيادته أو استطاعت فئة اجتماعية –أسرة أو قبيلة أو جهة أو طبقة- تسخيره لمصالحها الخاصة على حساب رسالته العامة التي من أجلها أنشئ.. لا يمكن وصفه بالاستقلالية.

فالتنظيم المستقل ينضوي تحته الأفراد والقوى الاجتماعية لخدمته وتبني أهدافه. وقد يحصل أولئك الأفراد أو تلك القوى على ثمرات من وراء الانضواء تحت رايته، لكن ذلك يكون تبعا لأهداف التنظيم ونتيجة عرضية لتقدمه في تحقيق رسالته. فإذا أصبحت أهداف الأفراد أو القوى الاجتماعية المكوِّنة للتنظيم في درجة فوق أهداف التنظيم أو منافسة لها، فقدْ فقدَ التنظيم معيار الاستقلالية.


رابعا: معيار التركيب:

والمراد به مضاعفة الهياكل وتنوعها وتشعبها. ويشمل التركيب التمايز بين البُنى والوحدات التنظيمية، والفصل بينها هرميا ووظيفيا وجغرافيا، مع التكامل والتوازن فيما بينها، باستناد بعضها إلى بعض، وتحكم بعضها في بعض. فالتركيب يساعد التنظيم على بناء هويته الذاتية المستقلة عن الأشخاص، وتوطيد استقراره واستمراره، وتأكيد شخصيته الاعتبارية التي لا تتوقف في وجودها ولا في مسيرتها على وجود زعيم مؤسس، أو جيل رائد. وقد لا يروق التركيب التنظيمي للقادة الذين يميلون إلى الاستبداد والهيمنة، فيُبقون تنظيماتهم في حال من السذاجة والبساطة يمكِّنهم من التحكم فيها. لكن هؤلاء بقدر ما يخدمون سلطتهم الشخصية على المدى القريب، فإنهم يضعفون التنظيم كمؤسسة على المدى البعيد.


خامسا: معيار الاستيعاب:

فالغاية من بناء أي تنظيم هي الإحساس بالحاجة إلى تنسيق جهود جماعية، وترشيدها وتسديدها، وتصويبها نحو هدف مشترك، وتجنب تبديد الجهود أو تضاربها أو تناسخها، بسبب التوارد على نفس المكان دون تنسيق أو تناغم. فإذا استطاع التنظيم أن يستوعب أعضاءه، وينسق بين جهودهم، بحيث يجد كل منهم مكانه المناسب دون إحساس بالغبن أو التهميش أو استئثار رفقاء الدرب بأمور التنظيم من دونه، ودون تضارب الجهود أو تناسخها، دل ذلك على أن التنظيم يسير في الاتجاه الصحيح. أما إذا حدث العكس، وفقد بعض الأعضاء ثقتهم في التنظيم لضعف في الإيمان بالأهداف، أو لنقص في الثقة بالقيادة، أو لمجرد الإحساس بالغبن، أو سوء توجيه الجهد.. وإذا فقدت قيادة التنظيم القدرة على توجيه الجهد الجماعي في تناسق وانسجام، وساد التضارب والتناسخ والتوارد على نفس المورد.. فإن ذلك مؤشر سلبي يدل على أن التنظيم بدأ يرتبك ويفقد رسالته، ويتحول إلى قيد على الطاقات الفردية التي كان أداة ترشيدها وتسديدها.


سادسا: معيار الإيجابية

والمراد به أن يحافظ التنظيم على زمام المبادرة في شؤونه، ويتفاعل بإيجابية مع تطورات مجتمعه. فذلك هو المدخل الوحيد إلى نمو التنظيم نموا طبيعيا دون طفرات مباغتة غير محسوبة، ودون تخلف وجمود وبقاء على هامش المجتمع. وتستلزم الإيجابية قدرا من الواقعية تشجع الخير مهما لابسه من غبش، وتتعايش مع الشر من أجل تغييره، دون يأس من الناس، أو تسرُّع غير منضبط، أو خروج على المجتمع. ولا تترك فراغا يعين عوامل الشر والسلبية على التمكن والرسوخ. تؤمن بالجهد الدؤوب مهما كان متواضعا، وبالعمل الصامت المؤثر، وبالسير المتدرج في تحقيق الغايات المبتغاة.

ولا يتم هذا إلا باستيعاب عوامل القوة والضعف في المجتمع، وجوانب التقدم والقصور في المسيرة، ووسائل الاكتساب والتأثير، وعوامل التسريع بالتغيير، مع انتباه لأي ثغرة تُفتح، واستغلال لكل فرصة تَسنح.


بعد هذه الإطلالة على بعض معايير النجاح التنظيمي، نعرض الآن باقتضاب لثمان من الثنائيات التنظيمية التي تمثل معضلات فكرية وعملية للحركات الإسلامية، ويتوقف على حسن التعامل معها مسار كل حركة ومآلها.



الشكل والمقصد

إن أولى إشكالات الفكر التنظيمي التي تواجهها الحركات الإسلامية هي ثنائية الشكل والمقصد، وما ينبني عليها من آثار عملية. فالأصل في التنظيم في الحركات الإسلامية أنه وسيلة لخدمة الدين، وتوحيد الجهد. لكن الأشكال أحيانا تتحول في أذهان الناس إلى غايات ومقاصد، خصوصا إذا أثبت الشكل نجاحا في خدمة المبدأ لفترة زمنية معتبرة. وقد أصيبت العديد من الحركات الإسلامية بهذا الداء: داء التشبث بالأشكال على حساب المضامين، والحرص على المظاهر أكثر من الجواهر.إن الحياة المتغيرة تستلزم استجابات متغيرة. والتشبث بالأشكال التنظيمية بعد تخلفها عن حاجة المبدأ وظروف العمل تخلف وجمود، يقضي على نمو الحركة وتطورها. وقد أحسن الشاعر الفيلسوف محمد إقبال حينما نصح المسلم بالتحرر من زخرفة الغمد، والتشبث بمضرِب السيف، فقال:

عصاك تُصدِّع صُمَّ الجــبالْ وتعرف سيناء صدق الكـلامْ

فدعْ ترَفَ الغمد، ما للهـلالْ على فخره غيرُ شكل الحسـامْ

وليست جدلية الشكل والمقصد إشكالا عمليا فحسب، بل هي إشكال فكري جوهري يمس العلاقة بين المبدأ والمنهج، وبين الغايات والوسائل، في العمل الإسلامي. وكل خلط في هذا السبيل يترتب عليه انحراف فكري، له نتائجه العملية السيئة. إنه داء "التجسيد" الذي حذر منه مالك بن نبي: تجسيد المبادئ الخالدة في أشخاص غير مخلدين، أو في أشكال محدودة الفائدة بحدود زمانها ومكانها. لكن هذا الداء طاغ -بكل أسف- على فكر بعض الجماعات السلفية المعاصرة في رؤيتها لتاريخ السلف، وهو حاضر في تاريخ وواقع بعض الحركات الإسلامية في رؤيتها لأشكالها ورجالها. وقد لاحظه النفيسي، فقال: ينبغي التفريق بين الدين كمعتقد وغاية، والتنظيم كحشد ووسيلة... الدين لا يمكن القبول بنقده، لكن لأن الخلط حاصل بين الدين والتنظيم، صار أيضا ليس مقبولا نقد التنظيم!!… لذا ينبغي تشجيع النقد الذاتي للتنظيم، وفتح المجال أمام الجميع في ممارسة هذا الحق الطبيعي، الذي باتت تعترف به كل النظم والجماعات والأحزاب في هذا العصر.



الإسرار والإعلان

من الإشكالات الرئيسية التي تشكل تحديا للحركات الإسلامية قضية الإسرار والإعلان في العمل، وحدود كل منهما. والقاعدة الشائعة في هذا الشأن هي تلك التي دعاها الإمام الشهيد حسن البنا "علنية الدعوة وسرية الحركة". فالدعوة –من هذا المنظور– لا بد أن تكون علنية: بلاغا مبينا يحرك كوامن الفطرة الإسلامية في قلوب الأمة، ويبين للناس الطريق إلى الله بالحسنى، ويقيم الحجة على العدو المناوئ. والحركة لا بد أن تكون سرية: تأمينا لمستقبل الدعوة، وتركيزا لجهد العاملين، وتفاديا لكيد الظالمين.

وليس من السهل أبدا النجاح في هذه المعادلة: إذ يميل بعض العاملين إلى التخفي المفرط حرصا على النوعية، وتأمينا لرأس المال المتحصل؛ ويميل آخرون إلى العلنية بغير حساب، أملا في التوسع والاكتساب. وكثيرا ما ينتهي المنحى الأول بالجمود، والثاني بالتسيب.

والأصل أن العمل الإسلامي لا يحتاج إلى إسرار في الظروف الطبيعية، لأنه رسالة خير مشاعة للجميع، من حق الجميع الاطلاع عليها وجني ثمراتها، كما أن العمل السري يحول الدعوة إلى شبه "جريمة"، ويعمق الهواجس والمخاوف من حمَلتها. لكن ظروف القهر والاستبداد السائدة في ديار المسلمين اليوم، وأهواء الحاكم الذي تحكم هذه الديار دون رادع من قانون أو خلق.. تفرض التعاطي الاستثنائي مع ظروف استثنائية، وتحتم شيئا من التحوط دون إفراط أو تفريط.

والرأي السديد –والله أعلم- هو الفصل بين مجالات السر والعلن بشكل حدي صارم، يحصر الإسرار في نواة قيادية صلبة، وفي أجهزة محدودة مكلفة بمهام مخصوصة، ثم يَترُك الهيكل الحركي العام واسعا فضفاضا، قادرا على استيعاب أكبر عدد من الناس، بمن فيهم الذين يوالون ولاء ناقصا، أو تجمعهم مع الحركة الإسلامية أهداف ظرفية جزئية.

فهذا النهج يفيد الحركات الإسلامية إفادات عظمى، هي في مسيس الحاجة إليها اليوم، ومنها:

تسهيل مهمة الاكتساب من خلال انفتاح الحركة على المجتمع، وإدراك المجتمع لمضمون رسالتها وأهدافها، وهو ما لن تتمكن منه أي حركة تحبس نفسها في أجواء التوجس والانغلاق.

كسر حاجز العداء بين الحركة والآخرين. وقد أشار الدكتور عبد الوهاب الأفندي في دراسته للحركة الإسلامية السودانية إلى أن ( سبب عداء أعدائها ناتج عن ضآلة ما يعرفونه عنها، لا ضخامته«  وهي حقيقة تصدق على جميع الحركات الإسلامية، ولم ينتبه لها كثيرون.

تمكين الحركة من الإسهام الجدي في المعركة السياسية، وهو ما لا يمكن بدون كم بشري كبير، ولا كمَّ بغير انفتاح وتفاعل مع المجتمع، والرضا من كلٍّ بما يجود به.

تأمين أسرار الحركة من خلال المظاهر المعلنة الطاغية، التي تستنزف طاقة الحكام المستبدين المتربصين بالحركة، وتلفت أنظارهم عن الأسرار الحقيقية .

فالقاعدة التقليدية المتداولة بين الإسلاميين حول "علنية الدعوة وسرية الحركة" ليست على إطلاقها فعلنية الدعوة غير ممكنة بشكل كلي، إذ الحركة تحتاج أحيانا إلى اتصالات خاصة ببعض المستهدفين بخطابها، ممن لا تسمح مواقعهم بمخاطبتهم علنا، كما أن برامجها التكوينية لا بد أن تتضمن ما لا يحسُن تقديمه على المكشوف، مما يتعلق ببناء القوى النوعية القادرة على درء القمع ومغالبة الاستبداد.

وسرية الحركة غير متاحة يإطلاق، فهي تحتاج إلى إبراز قادة يكونون رموزها ووجوهها لدى المجتمع، ودعاة يكونون لسانها وخطابها، ومناضلين يعبرون عن رؤيتها للحرية والعدل الاجتماعي. ومن العسير التستر على الروابط التنظيمية التي تربط هؤلاء، نظرا لما يستلزمه عملهم من الاشتهار والتعرض، ودوام التنسيق والالتقاء. والأعسر من ذلك التستر على أشخاصهم.

ولو فُصِلت أسرار الحركة عن هؤلاء لأمكنهم الحديث بلسان طليق، والصدع بما يحملونه من مبادئ وأفكار، والتحرك بخططهم السياسية والاجتماعية دون أي خطر على الأسرار الحيوية للحركة جراء ذلك.

وهكذا يتضح أن الحركات الإسلامية ليست سرية بمعنى الكلمة، وليس من الضرورة ولا من المصلحة أن تكون كذلك. كل ما في الأمر أن لديها أسرارا يجب عليها تأمينها. وقد تكون تلك الأسرار في شكل أشخاص أو برامج أو خطط أو هيئات مخصوصة. إن المطلوب من الحركة هو أن تؤمِّن أسرارا محدودة، وأن تكتسب المجتمع كله أو جله. فكلما تم حصر تلك الأسرار وفصلها عن مجالات العمل العلنية، كان ذلك أشد تأمينا لها. وكلما انفتحت الحركة على المجتمع وتضاعف كمها، كلما أمكن التستر على تلك الأسرار، كالدرة الثمينة في بحر محيط.

على أن فصل أسرار الحركة عن عملها العلني لا يعني ازدواجية في القيادة، تطلق العنان للأجهزة الخاصة، لتسرح وتمرح، وتناور وتغامر، بعيدا عن ضوابط الاستراتيجية العامة للعمل، ورقابة القيادة التنفيذية والشورية، فتجر عموم الحركة إلى كوارث. ولا يزال الجدل دائرا حول دور المرحوم عبد الرحمن السندي والشهيد مروان حديد في جر الحركتين الإسلاميتين المصرية والسورية إلى بعض المزالق والمواجهات الخطيرة، حينما استقل كلاهما بقراره عن القيادة الشرعية، واندفع اندفاعا غير منضبط.

إن المطلوب من الحركات الإسلامية هو تقدير منضبط لمجالات السر والعلن وفصلهما وظيفيا وبشريا، مع إبقاء قنوات الاتصال الخاصة مفتوحة بين المجالين، بما يضمن تناسقا وانسجاما في التوجه، وتأمينا واحتياطا في العمل، ووحدة في القيادة والقرار. وهذا التقدير المنضبط لحدود السر والعلن هو الذي يمكن الحركة من رفع الحجب، وكسر حاجز الريبة والخوف بينها وبين مجتمعها، فأمن الحركة الاستراتيجي هو تمكنها في مجتمعها الواسع، حتى يصبح استئصالها أو محاصرتها أمرا مستحيلا، أما ما تتخذه من تدابير أمنية فنية –على أهميته- فهو مجرد تأمين تكتيكي.لكن مجالات السر والعلن اختلطت في حركات إسلامية كثيرة – مع الأسف- فلم يبق السر سرا، ولا العلن علنا: كان الإمام الشهيد حسن البنا يكتب في الصحف يشيد ببعض العسكريين من قادة "النظام الخاص" -مثل الأستاذ صلاح شادي– وكان بعض أولئك القادة (مثل الأستاذ شادي نفسه) يقوم بوظيفة الحسْبة، بشكل مكشوف وكأنه يعيش في دولة الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب، لا دولة الملك فاروق. وقد حدث ذلك في الوقت الذي كان فيه الإخوان يدرسون فقه الدعوة وعلوم الشرع في الخلايا السرية!! فهل نراجع تلك التجارب بتمحيص وبصيرة، أم نظل أسرى لرؤية الماضي ومقولاته؟؟



العمق والامتداد

تواجه حركات التغيير الاجتماعي عادة إشكالا عمليا، يتعلق بالاختيار بين منهج الانتقاء الكيفي الذي يضمن صلابة النواة ونوعية العمل، ومنهج الحشد الكمي الذي يمكِّن من جمع قوة بشرية قادرة على المغالبة. وتغالي بعض الحركات الإسلامية في الحرص على النوعية، حتى تفقد حس الواقعية، وتتحول إلى صفوة معزولة منبتة عن جماهير الأمة.

ويدل الاستقراء لتجارب الحركات الإسلامية نجاحا وإخفاقا على جملة دروس مفيدة في مجال التوازن بين العمق والامتداد، نجملها في الآتي:

الأصل أن يكون المنهج الانتقائي النوعي هو المتبع في فترة التأسيس. ومن فوائد ذلك: رسوخ النموذج، وانتصاب القدوة، وإمساك الثقات الأثبات بمقاليد الأمور. وبذلك تكون قاعدة البناء صلبة من البدء. فتصحيح البدايات هو الشرط في نجاح النهايات.

بعد تجاوز طور التأسيس ودخول الحركة مرحلة المغالبة السياسية، لا بد من الانفتاح الكمي الذي يقتضي تساهلا نسبيا في شروط العضوية، وفتحا لقنوات التربية، وتعبئة عامة للناس. كما بدأ الناس في الالتحاق بدعوة الإسلام الأولى أفذاذا، ثم انتهى الأمر بدخولهم في دين الله أفواجا.

إن التمييز بين منهج العمق ومنهج الامتداد ليس مجرد تمييز زمني: هذا في طور التأسيس وذاك في طور المغالبة السياسية، وإنما هو تمييز وظيفي كذلك. فلكل من العمق والامتداد مجاله ومساحته: فبعض الأجهزة الحركية الخاصة تستلزم دائما تشددا في القبول، وحرصا على النوع، وبعضها بطبيعته لا يحتاج ذلك، بل يتضرر ويختنق إذا لم يظل مفتوحا على المجتمع متفاعلا معه.

مهما تكن دواعي الانفتاح مغرية، فلا ينبغي التخلي عن الهيكل الحركي بشكل كامل، وخصوصا بعض الأجهزة النوعية التي يرتبط مستقبل العمل وتوجه الحركة الاستراتيجي بها. أما أجهزة العمل العام فلا بد من توسيعها وفتحها لكل راغب، حتى ينساب خطاب الحركة إلى كل قطاعات المجتمع انسيابا. ويبقى توجيه هذه الأجهزة من مهمة الأفراد الحركيين المنبثين فيها. على أن يكون هؤلاء بخبرتهم النوعية وحسن تنسيقهم مع الأجهزة الأخرى قادرين على قيادة وتوجيه الكم المحيط بهم. ويستدعي الاحتفاظ بالهيكل الحركي السري في وقت الانفتاح العلني تطبيق فكرة "التنظيم الموازي" بكل ما تتطلبه من حصافة أمنية ومهارة سياسية وتنسيق إداري.

يتعين على الحركة إذا قررت الانفتاح في أي طور من أطوارها، أن يكون ذلك بناء على خطة موجِّهة، حتى لا يتحول إلى تسيب سلبي. وانسجاما مع استراتيجيتها العامة، تحتاج إلى توجيهه إلى قطاعات معينة، وتركيزه على قوة اجتماعية خاصة –مثلا- لا تزال الحركة تعاني من انحسار في صفوفها، أو تحتاج الحركة إلى مضاعفة الاكتساب فيها لأهميتها النوعية.

ترتبط الموازنة بين العمق والامتداد بالظروف السياسية والأمنية. فإذا أتيحت الحرية السياسية، وانحسر خطر القمع الأمني تعينت المسارعة إلى الامتداد ببسط الأجنحة ومضاعفة الاكتساب. وإذا ساد التضييق السياسي والقمع الأمني فإن التوجه إلى العمق هو اللازم: مراجعةً للذات، وتعميقا للتكوين، وتمتينا للصف. وهكذا تبقى أبواب الخير مفتوحة أمام الحركة أبدا: ففي ظروف الحرية تنحو منحى التوسع والامتداد، وفي ظروف القهر تنحو منحى العمق والتركيز.



العموم والخصوص

تتحد الحركات الإسلامية في المنطلق والمبدإ، لكنها تختلف في العمر والتجربة والحجم والتكوين، فضلا عن اختلاف المجتمع الذي تتحرك في نطاقه كل حركة عن المجتمعات الأخرى في خلفيته التاريخية، وتطوره الثقافي، ونظامه السياسي، ونموه الاقتصادي، وتركيبته الاجتماعية. فكان لابد أن يكون بين هذه الحركات تشابه واختلاف، ووحدة وتنوع، وعموم وخصوص. فكيف يمكن التوفيق بين المقتضيات العملية المترتبة على هذه الازدواجية ؟

ليس من ريب أن المطلوب هو التوازن بين الخصوصية والعالمية، بين الواجب المتعين محليا، وواجب الأخوة والمناصرة عالميا. لكنه توازن من العسير تحقيقه، فما العمل إذا تعارضت المصالح وتزاحمت الأولويات؟ هنا يظهر لنا أن على كل حركة أو جماعة إسلامية أن ترجح الخاص على العام، تغليبا لمنطق الفاعلية الخاصة، على منطق الشعارات العامة. وهو أمر يجد تأصيله الشرعي في أمر القرآن الكريم للنبي صلى الله عليه وسلم أن ينذر عشيرته الأقربين ابتداء، وأمره لحملة العلم بإنذار قومهم. كما تزكيه المصلحة العملية، إذ تشير كل الدلائل إلى أن مشكلة الحركات الإسلامية ليست مشكلة كم وحشد على المستوى الدولي، بل هي مشكلة كيف وفاعلية في الواقع المحلي. والتركيز على الهم المحلي هو الذي يكسب الحركة فاعليتها وحيويتها، وكل تبعية لقيادة دولية أو إقليمية ستكون على حساب الهم المحلي.

إن بعض الحركات الإسلامية فقدت الإحساس بالمكان في العلاقات بينها، وقد أدى ذلك إلى خلل كبير في سلم الأولويات ، وأورث العديد من هذه الحركات ضعفا سياسيا وتنظيميا مزمنا. ومن أعراض هذا الداء حرص بعض الحركات الإسلامية على التقيد الحرفي بالأنماط والأشكال الحركية، الموروثة عن حركات سابقة في التجربة، وعدم الجرأة على مخالفتها حتى في بعض الجزئيات، والاستقلال عنها في ما يفرض الواقع المتعين الاستقلال فيه. وقد أورد الدكتور حسن مكي مثالا ذا دلالة: فقد حاول بعض من رواد حركة الإخوان في السودان نهاية أربعينات القرن العشرين أن يحصلوا من السلطة الاستعمارية الانكليزية على ترخيص قانوني لجمعيتهم، والسماح لها بإنشاء مقر لها، لكن »السكرتير الإداري [الإنكليزي] لم يسمح للحركة بإنشاء دار لها، إذا لم تعلن استقلالها عن الحركة الإسلامية بمصر، التي كانت تمر بمحنة 1948م، حيث فقدت الشرعية [حلتها السلطة الملكية الغاشمة]. وهنا لم يجرؤ تنظيم السودان على إعلان استقلاله من ناحية تكتيكية على الأقل، كي يتيح لنفسه قدرا من حرية الحركة«[6]. وقد علل الأستاذ مكي ذلك الأمر بأن » الوعي الإسلامي كان منفعلا بما يجري في الخارج، أكثر من انشغاله باحتياجات الداخل«[7]. وهي ظاهرة لا تزال تعاني منها جل الحركات الإسلامية حتى اليوم مع الأسف.

إن اختلاف المجتمعات الإسلامية يحدد نوع الاستجابة المناسبة لتحديات الواقع، ويفرض على كل حركة إسلامية تعاملا مخصوصا مع خصوصيات مجتمعها، وابتكار الوسائل الملائمة لذلك، دون تقليد لتعاملات أخرى في واقع مغاير، أو نقل لوسيلة غير مناسبة دون تكييف أو تحوير، أو انشغال بشأن المسلمين العام عن واجباتها المتعينة.

لكن المؤسف أن بعض الحركات الإسلامية غفلت عن هذه الفروق المهمة على الصعيد العملي، فهي – كما لاحظ الدكتور محمد عمارة - »تنحو نحو "تجريد نظري"، يتصور – تبعا لوحدة دين الإسلام– عالَمَ الإسلام وواقعَ دياره نسقا واحدا منسقا، لا يعرف الفوارق في مستويات التطور، ولا الاختلاف في الأعراف والعادات والمذاهب والتصورات«[8]. فلا عجب مع هذه الغفلة أن سقطت تلك الحركات في وهم المماثلة، والبعد عن الواقع، والقياس مع الفارق، فلم تستوعب تماما مراتب العموم والخصوص فيما بينها، وأورثها ذلك اختلالا كبيرا في سلم الأولويات العملية، جره عليها داء التقليد:

فلا يعدم الملاحظ حركة إسلامية عاكفة على الوعظ والتربية الخلقية والتزكية الفردية، رغم أن مجتمعها بخير من حيث الالتزام الأخلاقي والسمت العام، قياسا بغيره من المجتمعات الإسلامية الحاضرة، وحتى قياسا بمجتمعات السلف. وكان الأحرى بها أن تتجه إلى إصلاح النظام العام، وبناء الولاء الاجتماعي على أسس إسلامية، لا على عصبيات قبلية جاهلية..

أو حركة منصرفة إلى استنهاض الهمم واستثارة الحشود –وقد حصلت من ذلك على ما يكفي وزيادة – وكان الأصلح لها أن تنظم وتؤطر، وتحرص على صلابة النواة وتماسك الصف، تجنبا للتبدد والاندثار، واستعدادا لأوقات الضيق والحرج، وإعدادا ليوم الحسم..

أو حركة صادفت انفراجا وحرية نسبية في بلدها، فظلت متخفية في كهوف السرية، فشلَّها الهاجس الأمني الذي استوردته من تجارب حركات أخرى. وكان الأوْلى لها أن تستغل الحرية المتاحة في تكثيف الدعوة والصدع بالخطاب، أملا في اكتساب المجتمع الذي هو الرهان الأول والأخير..

أو حركة غرها الانفراج السياسي الظاهر فغالت في التعبير عن قوتها الكمية، واندفعت إلى المواجهة الهوجاء، ولم تحسب حسابا للقوى النوعية المتحكمة في المجتمع، والتي لا تغني مغالبتها بالكم المهلهل شيئا مهْما كثر. ولم تكن من قبلُ قد خططت لبناء قوة نوعية تدرأ بها خطر القمع والاضطهاد. فكانت النتيجة ثمنا فادحا من الدماء والأحقاد، تهدد مستقبل الدعوة، بل ووجود المجتمع من أصله..

أو حركة عاكفة على إصلاح العقائد، ومجادلة الأموات حول بدعهم وانحرافاتهم، في مجتمع لا توجد فيه فرق بدعية ولا طوائف كلامية. وكان الأولى بها أن تحارب الاستعمار والتبعية السياسية المشينة، وتسعى إلى إصلاح النظام السياسي الفاسد الذي يتأسس على غبن الوراثة وعرف الجاهلية، ويفتح الأبواب مُشرَعة أمام أعداء الأمة، لينهبوا ثروتها ويمتهنوا كرامتها..

والسبب في كل هذه المساوئ المنهجية هو أن الحركات الإسلامية لم تستوعب مراتب العموم والخصوص بينها، ولم تحدد كل منها أولوياتها العملية بناء على تصور نابع من واقعها المعيش. فإلى متى الاستئسار للصورة الذهنية، والغفلة عن الواقع المتعين؟!


التميز والانعزالية

تحتاج الحركات الإسلامية إلى شيء من التميز وتقديم برامج مختلفة عن العرف السائد والفكر الغالب لإصلاح شأن الأمة. لكن التميز تحول عند بعض الحركات إلى هاجس مرَضي قادها إلى الانعزالية والبقاء على هامش المجتمع. والذي يدرس سيرة النبي صلى الله عليه وسلم –وهي منبع الفكر المنهجي الإسلامي– لا يجد مثل هذا التوجس والريبة والحذر المرَضي. فقد كان في مجتمع المدينة أيام النبوة أصناف شتى من المؤمنين، يتفاوتون في مستوى إيمانهم وتقواهم، منهم الظالم لنفسه، ومنهم المقتصد، ومنهم السابق بالخيرات بإذن الله. لكن المجتمع كله أو جله كان مشاركا في نصرة الدين والتمكين له، فمتى نفر النفير هب الجميع لندائه، ولم يكن يتخلف منهم إلا منافق معروف النفاق، أو معذور قبل الله تعالى عذره. ولذلك كانت قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا – قبل توبة الله عليهم- صدمة لمجتمع المؤمنين آنذاك. وقد وقع بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ذنوب وأخطاء، دون أن يجعلهم ذلك على هامش المجتمع، أو يسد الباب أمامهم لنصرة الدين. ويكفي أن نعلم أن اثنين ممن شهدوا بدرا أقيم عليهم حد الخمر بعد ذلك، وهما نعيمان بن عمرو[9] وقدامة بن مظعون[10] رضي الله عنهما.

ولعل من الأمثلة المعبرة في سيطرة هاجس التميز، وعدم النجاح في الموازنة بين العمق والامتداد، تجربة الجماعة الإسلامية في باكستان. فقد اعتادت الجماعة تقسيم أعضائها قسمين:



"الأركان": وهم الأعضاء المنتظمون، ويتشكلون من صفوة الناس الذين برهنوا على التزامهم الكامل بتعاليم الإسلام، وانتظموا في الجماعة مدة مديدة، وبرهنوا على قوة الثبات على المبدإ وعمق الولاء للقيادة.



"المتفقون": وهم الأعضاء المنتسبون، الذين يتعاطفون مع فكر الجماعة ويناصرونها، لكن القيادة لا تراهم مؤهلين للعضوية الكاملة، نظرا لنقص في التدين أو الوعي أو الولاء من وجهة نظرها[11].

وترجع جذور هذا التقسيم إلى حرص العلامة المودودي وصحبه المؤسسين للجماعة على التمييز بين الإسلام هوية قومية، وبين الإسلام التزاما ونظام حياة: فقد تأسست دولة باكستان على فكرة إسلامية الأصل، عبر عنها العلامة محمد إقبال شعرا ونثرا، وتحول الإسلام إلى هوية سياسية وانتماء قومي لأبناء باكستان يميزهم عن هوية الدولة الهندوسية الأم، وظل جزءا من برنامج كل القوى السياسية الباكستانية، على تفاوت كبير في صدق التوجه وجدية الطرح. لكن المودودي وجد أن مجرد استقلال المسلمين في دولة خاصة بهم –على أهميته– ليس كافيا، وهو لا يعني أن الدولة ذاتها دولة إسلامية. فإسلامية الدولة أمر أكبر من مجرد وجود أغلبية مسلمة بين سكانها، أو الإحساس العام بالانتماء إلى أمة الإسلام. فكانت الغاية من إنشاء الجماعة الإسلامية منذ البدء هي تكوين صفوة تعلِّم الشعب الباكستاني المدلول الصحيح للدولة الإسلامية وتقوده إليه. وقد أشار المودودي في خطابه التأسيسي للجماعة عام 1941 إلى أن الجماعة لن تقبل العضو بمجرد انتمائه للإسلام دينا، وإنما لا بد أن يفهم العضو معنى ومقتضيات "الكلمة"، ويطبق الحد الأدنى من فرائض الإسلام[12].

وليس في هذا بأس، لكن يبدو أن "الكلمة" تحولت فيما بعد إلى "كلمات"، وأن "الحد الأدنى" تحول إلى "حد أقصى". فدرجت قيادة الجماعة على التشدد في منح العضوية الكاملة، وغلت في ذلك حتى تجاوزت كل حدود. ورغم أهمية مبدإ الانتقاء في طور التأسيس، وفي بعض الظروف والمواقع، إلا أن المودودي وزملاءه نسوا أهمية الاستفادة من الولاء السياسي للإسلام الموجود لدى الشعب الباكستاني أكثر من أي شعب آخر تقريبا -بحكم تجربته المريرة مع الهندوس وظروف نشأة دولته- وأهمية توظيف ذلك الولاء العام لصالح الجماعة وبرنامجها السياسي، بغض النظر عن تفاوت الأفراد في مستوى الالتزام. فوقعوا أسرى هاجس التميز، وفرطوا في هذا العنصر التاريخي والاجتماعي المهم حرصا على نوعية التربية وعمق الوعي، ولم يستطيعوا الجمع بين مقتضيات الكم والكيف أو العمق والامتداد بتوازن. بل »ظل التأكيد على النوع –لا على الكم- هو السائد، ولذلك فإن الجماعة ليست حزبا جماهيريا، وإنما هي "جماعة"«[13]. وقد ساد التصلب الهيكلي والانغلاق التنظيمي داخل الجماعة بسبب ذلك، وصادفت أغلب محاولات الإصلاح والانفتاح صدودا وإعراضا »وكثيرا ما وردت مقترحات بتوسيع القاعدة من خلال تخفيف شروط العضوية، لكن القيادة كانت دائما تجادل بأن ذلك سيحول "الجماعة الإسلامية" إلى حزب جماهيري كأي حزب آخر«[14].

وهكذا فخلال الثلاثين عاما التي قاد فيها المودودي الجماعة (1941-1971) لم يتجاوز عدد أعضائها المنتظمين ألفين وخمسمائة عضو[15]. وبعد مرور حوالي نصف قرن على التأسيس، ظل عدد أعضاء الجماعة المنتظمين أقل من ستة آلاف عضو رغم أن عدد المنتسبين إليها -أو "المتفقين"- قارب ثلث المليون[16]. ولك أن تتصور –بمنطق المغالبة السياسية- ما الذي يستطيع ستة آلاف عضو فعله، في شعب جاوز تعداده مائة وخمسين مليونا.

لقد كانت الجماعة الإسلامية في باكستان نشطة سياسيا أيام المودودي، وقد تزعمت قيادة الرأي العام في قضايا مهمة، مثل قضية الدستور الإسلامي، ومقارعة القاديانية. لكن هذا الوهَج السياسي يمكن إرجاعه إلى ديناميكية المودودي وشجاعته، أكثر من هيكل التنظيم المنغلق.

وهكذا ظلت هذه الحركة التي تعتبر من أعرق الحركات الإسلامية، وأبعدها أثرا فكريا على غيرها من الحركات تدور في حلقة مفرغة من الجمود السياسي، بل تتقهقر وتفقد نفوذها الشعبي، بسبب عجزها عن التوفيق بين منهج الانتقاء النوعي ومنهج الحشد الكمي، وتتحول تدريجيا إلى جمعية ثقافية مغلقة، أو حركة صوفية انعزالية.

وتعتبر الانتخابات البرلمانية في باكستان مؤشرا ذا دلالة عميقة في هذا المضمار: فقد حصلت الجماعة على ثمانية مقاعد فقط في انتخابات 1988، وعلى نفس العدد في انتخابات 1990، ثم تدهور العدد إلى ثلاثة فقط في انتخابات 1993.

وكانت المحصلة النهائية لكل ذلك أن باكستان لم تصبح دولة إسلامية، بسبب عجز "الجماعة" عن توظيف العوامل التاريخية في هذا الاتجاه، ولم تتحول إلى دولة علمانية صريحة نظرا لوجود تلك العوامل ذاتها، التي تجعل العلمانية الصارخة نقيضا لمبدإ وجود الدولة وهويتها وتميُّزها عن عدوها التاريخي (الهند). بل ظلت باكستان –ولا تزال– "دولة تخليط"، تماما مثلما وصف العلامة عثمان بن فوديو بلده (نيجيريا)، حينما استفتاه مستفت هل هي "دار إسلام" أم "دار كفر"؟ فقال: لا هذه ولا تلك، وإنما هي "دار تخليط".

ومما يبشر بالخير أن القيادة الحالية للجماعة الإسلامية بباكستان بدأت تدرك عمق الأزمة التي وضعت الجماعة فيها نفسها. فخففت من شروط العضوية، وفتحت الباب لمزيد من المرونة الداخلية التي يُؤمَّل أن تغذيها بدماء جديدة وأجيال جديدة أوعى بلعبة السياسة من جيل التأسيس. ففي تقرير تقييمي نشرته الجماعة على موقعها الألكتروني عام 2000 اعترفت بأخطاء الماضي، ووعدت بإصلاح المستقبل. فقد ورد في التقرير: »لقد أثرت الحركة [الجماعة] تأثيرا بالغا في القطاعات المتعلمة من المجتمع، لكن تأثيرها على عوام الناس لا يزال بحاجة إلى توسيع ومد. وقد طورت الجماعة خطابا سياسيا جديدا لهذا الغرض، لكن يبقى أمامها جهد مضن للتغلب على مراكز القوة التقليدية في المجتمع، لأن أخلاق الجماعة وفكرها لم يتحولا بعد إلى قوة سياسية ذات وزن«. وينتهي التقرير إلى الاعتراف بالحقيقة المرة: »إن الجماعة الآن ذات أثر فعال كقوة أديولوجية، أو كجماعة ضغط لها وزنها في الشارع، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى القوة السياسية«. وقد أثمرت هذه الاستراتيجية الجديدة ثمرات طيبة. فبعد مؤتمر 1997 الذي تبنت فيه الجماعة هذا التوجه، ارتفع عدد أعضائها إلى مليوني شخص. وتؤمل القيادة الآن أن يصل العدد إلى خمسة ملايين في المستقبل القريب. وبذلك يستوي جسم الجماعة، وتبدأ طورا جديد من النمو، بعيدا عن هواجس الخصوصية ومساوئ الانعزالية. وفي تجربة الجماعة الإسلامية بباكستان درس للحركات الإسلامية الأخرى جدير بالاعتبار


الالتزام والمبادر

تأثرت بعض الحركات الإسلامية الحديثة بميراث المسلمين الفكري، وواقعهم السياسي المزري، حيث يطالب الحكام الرعية بالطاعة، دون أن يقدموا مقابلها من الحرية. فظلت هذه الحركات تلح في أدبياتها على معاني الطاعة والالتزام والانضباط الحركي، ولم توازن ذلك بفتح مسالك للمبادرات الفرعية والفردية، والسماح بالمرونة اللازمة في التربية والتوجهات والإجراءات.

وقد يستغرب المرء –بحق- هذا التوجه من حركات تأسست على الاختيار الطوعي، حيث المنتظَر أن تكون أكثر تركيزا على المبادرة والإبداع منها على الالتزام والانضباط، لأن سبيلها إلى الطاعة هو الإقناع لا الإكراه.

وقد آن الأوان للحركات الإسلامية أن تراعي للفرد مكانته داخل الهيكل الحركي، وتحمله مسؤولياته دون لبس، وتمنحه الحرية اللازمة لكل إبداع، وتثق في إخلاصه وخبرته، وتغفر له أخطاءه التي هي ثمن العمل. فطغيان الطاعة على الحرية، والالتزام على المبادرة، قد يحافظ على الواقع الموجود، لكنه لا يدفعه نحو الأحسن. ومن مساوئ هذا الطغيان:

أن الفرد لا يجد بديلا عن الواقع السياسي والاجتماعي السائد في مجتمعه، وهو الذي فاء إلى ظلال الصحوة بعد أن اكتوى بنار استبداد الحكام وفسادهم، وفي ذلك ما فيه من أثر سلبي على جاذبية الحركة ورسالتها.

ثم إن تجاوبه مع مبادرات الحركة وأوامرها ينطبع بطابع السلب. وتلك نتيجة منطقية لكل استبداد: إما أن يقاومه الناس مقاومة فعلية إيجابية، وإما أن يقاوموه مقاومة سلبية، فلا يتجاوبون مع أهدافه ومساعيه.

ونتيجة لكل ذلك يسود فكر التبرير والتماس المعاذير، ويلقي كلٌّ بالتبعة على الآخر، وتضيع المسؤوليات في زحمة الجدل والعتاب، بعد أن يتنصل الفرد من مسؤوليته، ويلقيها على كاهل الحركة أو القيادة.

إن مفهوم الطاعة نتاج لمزيج مركب من الرضى القلبي والضبط التنظيمي، فلا بد من مراعاة التوازن بينهما، حتى لا تتميع المسؤولية بدعوى الحرية، ولا يحل الاستبداد في عمل الحركة الذي هو في أصله عمل طوعي. ونظرا لأن فقه الطاعة بمعنى التلقي السلبي والانضباط البارد هو السائد الآن، فإن ما تحتاجه الحركات الإسلامية اليوم هو العودة إلى التوازن، من خلال التأكيد على ذاتية الفرد، ودوره الذي ينسجم مع أدوار غيره دون إكراه أو ضغط، بل بدافع من الوعي بالمسؤولية. وتستطيع الحركات الإسلامية أن تصل إلى هذا التوازن من خلال ما يلي:

تشجيع المبادرة في خطابها الداخلي، حتى يدرك الأعضاء أن مجرد الالتزام بالنظم واللوائح –على أهميته- ليس معيار التفاضل. بل المعيار هو المبادرة والاجتهاد لدفع مسيرة الحركة ورسالة الإسلام قدُمًا.

الابتعاد عن الصرامة الفكرية والمذهبية في تربيتها لأعضائها، وتعويدهم على القبول بتعدد الآراء والاجتهادات الفقهية والفكرية والعملية، وعدم تبكيتهم على الرأي الشاذ المصحوب بحسن القصد.

تشجيع المبادرة قبل إقرار الخطط والبرامج، وتشجيع النقد بعد اعتمادها، حتى يدرك الفرد أهمية رأيه وخبرته. وعدم الاكتفاء بالشورى الرسمية التي تنظم اللوائح طرائقها عند اتخاذ القرارات أو انتخاب القيادات.

تبني النظام اللامركزي الذي يقسم الحركة جغرافيا ووظيفيا عدة تقسيمات، ويمنح صلاحيات كبيرة وحرية واسعة للفروع في القضايا التربوية وغيرها مما لا يمس عموم الحركة.

الاقتصاد في الأوامر الملزمة، وحصرها في الأمور الاستراتيجية الحساسة، وترك الأمور الأخرى للفروع، مع مساعدتها بالرأي الاستشاري غير الملزم، دون التزام أو إلزام.

إن التوازن بين الحرية والنظام، بين الوجدان والسلطان، هو الشرط لأي عمل جماعي مبدع. وقد آن الأن لتدرك الحركات الإسلامية ذلك، وتعيد وهج الحرية والحيوية لصفها.


الوحدة والتباين

وغير بعيد عن ثنائية الالتزام والمبادرة، ثنائية أخرى لم تفلح بعض الحركات الإسلامية في حسن التعامل معها، وهي الوحدة والتباين: فبعض قيادات هذه الحركات فهمت النمطية والانضباط على أنهما الضامن الوحيد للوحدة، ووقفت موقفا متوجسا من أي نزوع إلى التباين والاختلاف الاجتهادي داخل الصف، واعتبرته خروجا على الطاعة، ومروقا من الجماعة، وإثارة للفتنة. ولم تفهم طبيعة الالتزام الطوعي الذي تأسس عليه عملها، بل لم تفهم أن التباين والاختلاف من سنن الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا. فإما توظيفهما إيجابيا لخدمة المسيرة، وإما الوقوف في وجههما دون فائدة.

ولعل هذه القيادات لا تزال محصورة بطوق الفكر الإسلامي التاريخي الذي أثر فيه هاجس الفتنة تأثيرا عميقا، حتى أساء الظن بكل محاولات الإصلاح مهما كانت ضرورة، والوقوف في وجه القادة مهما كان متعينا، إلى حد أن بعض فقهاء الأزهر أفتوا بعدم جواز مقاومة "نابليون" أيام استعماره لمصر، متعللين بأن ذلك "فتنة"، وألف أحد الفقهاء الموريتانيين أيام الاستعمار الفرنسي كتابا سيء الصيت ينحو نفس المنحى، سماه "النصيحة العامة والخاصة في التحذير من قتال الفرانْصة" [=الفرنسيين]، رغم أن أخاه –وهو فقيه كذلك- كان يقود حركة الجهاد ضد المستعمر في ذات الوقت.

وسبب آخر لهذا المنحى من التفكير والعمل هو أن قيادات بعض الحركات الإسلامية أدركت بعض وظائف التنظيم وغاب عنها بعضها: ففهمت أهمية الضبط والوحدة، وهما من وظائف التنظيم الأساسية، لكنها غفلت عن وظيفتي الاكتساب والاستيعاب: فكل تنظيم اكتفى بحماية الموجود وقنع به، ولم يمد أذرعه لاكتساب دماء جديدة، واستيعاب طاقات متجددة، فهو ميت لا محالة.

والحركات الإسلامية اليوم بحاجة إلى تبني منظور مختلف، لا يرى التباين الداخلي خطرا على الوحدة، بل يراه درعها وحاميها: فلا بقاء لوحدة قائمة على القهر المادي أو المعنوي، ولا ضمان لوحدة أحسن من انبعاثها من وجدان الناس. وبذلك تستطيع هذه الحركات المحافظة على تماسك الصف، ووحدة الغاية، وتنسيق الجهد، من خلال تنوع وتباين يضمنان حرية الأفراد والفروع، بحيث تأخذ الحركة من كلٍّ بحسب وسعه واستعداده وفهمه، وتستوعب أكبر عدد ممكن من الذين يحبون الله ورسوله، على تباين مستوى إيمانهم وتقواهم، ووعيهم وولائهم، ومشاربهم الاجتهادية، وخلفياتهم الفقهية، وتجاربهم الحياتية. ولا ترغم الجميع على مسار نمطي واحد يقتل روح الإبداع والاندفاع الذاتي، الذي هو مصدر كل عمل أصيل.

لكن هذا الفقه غاب عن بعض الحركات الإسلامية، وكان من نتائج هذا الخلل الفكري اختلال تنظيمي، تمثل في المركزية الطاغية، وتدخُّل القادة في كل صغيرة وكبيرة..

وليس من ريب في فائدة الصرامة النمطية في طور التأسيس –كما أسلفنا- لتعميق معنى الجماعة في نفوس الأفراد، وإلزامهم بمعاني النظام والطاعة، لكن هذه الصرامة لا معنى لها بعد استقرار النموذج وبناء الأسس، كما هو حال الحركات أغلب الحركات الإسلامية اليوم. فالمطلوب صرامة ونمطية أيام التأسيس، وسماحة وحرية أيام النضج، فلكل مقام مقال، ولكل عصر رجال وأشكال.


الفصل والوصل

ومن الجوانب التنظيمية الأساسية التي تواجه الحركات الإسلامية إشكال الفصل والوصل. ونقصد بذلك قدرة الحركة على الفصل بين المهام المتداخلة، بل وفصل بعض من تلك المهام عن الهيكل التنظيمي الأساسي، مع الإبقاء على رباط يُخضع تلك الوظيفة لتوجيه الحركة عن بعد. ولجدلية الفصل والوصل أبعاد ثلاثة: سياسية-إدارية، وتربوية-تكوينية، وأمنية-وقائية.

ففي المجال السياسي–الإداري تحتاج الحركات الإسلامية إلى توسيع نطاق قاعدتها الشعبية وكمها العددي، لكي تستطيع منازلة الأحزاب والحركات السياسية الأخرى. لكن إشكالا تنظيميا يفرض نفسه كلما تبنت الحركة هذا الخيار، وهو إشكال الازدواجية القيادية والتنظيمية، وما قد يترتب عليها من ارتباك في التسيير والإدارة، وثنائية في القرار والولاء، وما تثيره من توجس لدى الخائفين على الحركة من الغرق في كم بشري غير منظم، يتحكم فيها بدلا من أن يكون مددا لها. وأحسن وسيلة للتغلب على ذلك هي الفصل بين القيادة السياسية والقيادة الإدارية، بحيث تتولى القيادة السياسية التعاطي مع الشأن السياسي، بما فيه من تعامل مع المتعاطفين الذين لا يربطهم بالحركة رباط تنظيمي، وتتولى القيادة الإدارية شأن الحركة الداخلي الخاص بها من دون الناس. وبهذا الفصل تنجح الحركة في الإبقاء على هيكلها التنظيمي قائما، وهي تعمل من خلال حركة جماهيرية مفتوحة في ذات الوقت.

وفي المجال التربوي-التكويني تفيد استراتيجية الفصل والوصل في أمور كثيرة، أهمها الفصل بين مجالي التربية والتكوين. وهو فصل ضروري للاعتبارات التالية:

- أن مهمة التربية أخلاقية مبدئية، ومهمة التكوين منهجية عملية. فهدف التربية هو الالتزام، وهدف التكوين هو الفاعلية.

- أن التربية موجهة إلى عموم المجتمع، وليست مقصورة على أعضاء الحركة، بينما التكوين يتجه إلى الأعضاء الذين ثبت ولاؤهم حصرا.

- أن للتربية وظيفة اكتسابية –أو هكذا ينبغي أن تكون– بينما التكوين لا يهدف إلى اكتساب أعضاء جدد بشكل مباشر.

- أن للتربية وظيفة دعوية عامة وهي زيادة مساحة الخير والفضيلة في نفوس أفراد المجتمع، حتى ولو لم ينضموا إلى الحركة، بينما التكوين يقتصر على تعميق الخبرة لدى أعضاء الحركة.

- أن مضمون التربية يتعلق بالفضائل الإسلامية العامة، وزيادة العلم الشرعي لدى السامعين، بينما يركز مضمون التكوين على الخبرات السياسية والإدارية والفنية التي يحتاجها العضو العامل في مسيرته.

وتقتضي استراتيجية الفصل والوصل أن تكون التربية مفتوحة على المجتمع، بما يعمم الخير ويرسخ ريادة الحركة في المجتمع العام، بينما يكون التكوين مغلقا وموجها إلى ذوي الثقة والالتزام من أعضاء الحركة. وبهذا يتحقق الإتقان في الوظيفتين كلتيهما: فتتسع التربية وتؤدي رسالتها في المجتمع، ويتم تأمين التكوين الفني وحصره في أهله.

وفي المجال الأمني الوقائي فإن استراتيجية الفصل والوصل تقتضي اتخاذ اللامركزية وسيلة للتأمين ضد قوى القمع والاستبداد. وربما استغرب المتشبثون بالفكر التنظيمي التقليدي –ممن لم يستوعبوا معادلة الإسرار والإعلان- وجود نظام لا مركزي وأسر مفتوحة في حركة سرية، ورأوا في ذلك تسيبا وتعريضا لأمن الحركة للخطر. لكن قراءة التاريخ التنظيمي للحركات الإسلامية تفيد بأن اللامركزية أداة تأمينية ناجعة للغاية.

وقد تتجلى هذه اللامركزية التأمينية في الفصل بين كيان الحركة في الداخل وامتدادها في الخارج. أو في الفصل بين أجنحتها المختلفة بحسب الوظيفة والاختصاص. ومن الأمثلة الناجحة على النوع الأول ما فعلته الحركة الإسلامية في السودان من فصل بين قيادتها الداخلية وقيادتها الخارجية في السبعينات، أيام الصراع مع النميري، حيث كانت القيادة الحركية في الخارج تعمل بالتنسيق مع أحزاب"الجبهة الوطنية"، وتخوض حربا سياسية وعسكرية ضد النظام، بينما لم تربطها أية

 

 

  مجتمع الإخوان

  دعوة وتربية

  الأسرة المسلمة

  مراقبو الإخوان

  رسالة المراقب العام

  رياضة

  خطب الجمعة

الإخوان في العالم

الإخوان في الإعلام

كتب ومطبوعات

روابط أخرى

المسابقات

الإخوان في العالم

احتساب

الحاج عبدالله أبو سن في ذمة الله

 

الإخوان المسلمون 2018 : الخرطوم السودان :: للاتصال : info@ikhwan.sd    التصميم والدعم الفني لمسة الهندسية Lmssa.com