الصفحة الرئيسية : تعرف على الإخوان : فكر : تاريخ الجماعة : اتصل بنا

     جديد الموقع : الولايات : العاصمة : المرأة : التدريب : المكتب السياسي : الوسائط                                 

 

   جديد الأخبار: قانون الانتخابات والتوافق السياسي :: قانون الزمن وقصة التلفون!! :: معايير النجاح التنظيمي وثنائياته الكبرى :: طلاب جامعة الخرطوم كلية الآداب يتبارون في مدح أستاذهم الشيخ الدكتور الحبر يوسف نور الدائم :: رسالة لأبنائي الطلاب :: المراقب العام يستقبل وفد حزب التحرير :: وزارة معتز موسى

 

  الدورة التربوية الدعوية الرمضانية الثامنة

  الدرس الاسبوعي في رسالة ابن ابي زيد القيرواني

  خطب الجمعة

  شرح موطأ مالك

 

 

 

بيان للناس

 

 

 

  

 

 
  جديد الموقع

سلام عليك شيخي صادق في الخالدين

بقلم / عمر الحبر يوسف

طفل بين الرابعة والخامسة من عمره، يصحب أمه في زيارة لعيادة مريض في المستشفى. ما كان الطفل يعرف ما معنى أن يمرض إنسان فيعوده أحباؤه، بل ما كان يعرف أصلاً ما وجهة (المشوار)الذي خرج فيه مع أمه.. المهم عنده أنه سيصحبها، وهو وقتئذ أصغر أبنائها يتعلَّق بها وتتعلَّق به.

يدخل الطفل مع أمه المستتشفى فيجدان نسوة مجتمعات خارج الغرفة التي يرقد فيها المقصود بالزيارة.. كان باب الغرفة مفتوحاً .. ينظر الطفل في داخلها فيرى شيخاً يتمدّد على سرير.. هذا الشيخ يعرفه الطفل جداً.. يعرفه كما يعرف أباه وأمه وإخوته.. كان واحداً من هؤلاء عنده .. قد لا يعرف الصلة ولا يدرك العلاقة، لكنه منذ بدأ يعي ويتبيَّن وجوه من حوله ويحفظ أسماءهم كان وجه هذا الشيخ مألوفاً، واسمه محفوظاً...   (ده شيخ صادق) ! قالها الطفل وأخذ مباشرة يُغالب أمه في الذي صنعته للشيخ ليحمله إليه.. الأم ربما خشيت على طفلها من حِمل ما صنعت، أو ربما كانت الخشية على الذي صنعته أنْ يسقط من طفلها فيذهب تعبها فيه سُدى.. مر بعض وقت والأم تأبى أنْ تترك لطفلها ما صنعته للشيخ، والطفل مصر معاند .. كان له في النهاية ما أراد.. وكان باب الغرفة المفتوح قد سمح للشيخ برؤية المشهد كله.. رأى إصرار الطفل ورأى رفض أمه في البداية.. ثم رآه يدخل عليه بالذي صنعته أمه وهو في نشوة المنتصر، كأنَّما حِيزت له الدنيا بحذافيرها !

كان الشيخ أشدَّ فرحاً منه.. وقد ترك ذلك التصرّف من طفل صغير في نفس الشيخ الكبيرة أثراً عميقاً.. ما لقي الطفلَ بعده إلا ذكَّره به وشكره عليه.. كنتُ ذلك الطفل، وكان شيخ صادق عبد الله عبد الماجد رحمه الله ذلكم الشيخ !

الحليم العفّ كالأنسام روحاً وسجايا ..... أريحي الوجه والكفِّ افتراراً وعطايا

من هنا بدأت قصتي مع شيخ صادق، أو في الحقيقة هو من جعل هذا الموقف نقطة البداية في علاقتي به... كان يقول في كل مجمع يراني فيه : ( عمر ده علاقتي بيهو من هو قدر كده ـ ويُشير بيده إلى الأرض ـ جاء مع أمه  و.....) ثم يحكي المشهد الذي رآه كلَّه. تمر السنوات ولا يملّ من ترداد هذه القصة.. وهكذا الكريم، ينسى جليل ما قدَّمه للناس ويذكر أبداً ما قدَّمه له الناس، ولو كان شيئاً لا يُلتفتُ إليه من صغير هو نفسُه لا يُلتفتُ إليه!!

لما بدأتُ أقود السيارة وأنا بهذه البداية مسرورـ فلكل جديد لَذَّة ـ جاءنا شيخ صادق في بيتنا وهو يقود سيارته بنفسه، صحا في داخلي ذلك الطفل.. الطفل الذي يريد أنْ يُظهر لمن حوله أنَّه قد كبر، وأنَّه يستطيع أنْ يفعل ما يفعله الكبار. (تحايلتُ) على الشيخ بأنَّ لي موعداً في مكان قريب من منزله، وأخبرته أنَّني تعلَّمتُ قيادة السيارة وأنَّني سأريحه من قيادتها في طريق عودته ـ والحقيقة أنَّ موعدي كان في أولِ بحري لا في آخر شمبات، ولم يكن وقته قد جاء بعد ـ استجاب الشيخ مباشرة.. ربما تذكَّر ذلك الطفل المُعاند في المستشفى ! كان لي ما أردت ..كانت تلك أول مرة أقود فيها شيخ صادق بالسيارة فاجتمعت لَذَّتان ! ومرةً أخرى انتابني فرح الأطفال ذلك بنشوة الانتصار.

الحق أنِّي كنتُ على يقين بأنَّ الشيخ يعلم أنِّي قد (تحايلتُ) عليه بعض الشيء لكنَّه (مشَّاها) ، لم التفتْ إلى هذا، المهم أنِّي قد أرضيتُ ذلك الطفل في داخلي وأنا الآن أقود من لا أرى في الدنيا مثله !

ليس الغبيُّ بسيدٍ في قومِه              لكنَّ سيدَ قومِه المُتغابِي

كان ذلك شيخ صادق، كان يعلم أنَّ بعض الناس يُخادعونه، ويظنون أنَّهم يخدعونه، ويُحاولون أنْ ( يَتذاكَوا) عليه، وكان هو يتغابَى .. كانوا جميعاً عنده أطفال!  وكان هو الكبير الذي يتلطَّف بهم وينظر إليهم بعين الشَّفقة والرَّحمة.

ما رأيتُ أكرمَ منه ولا أحلمَ، ولا أرقَّ ولا أرقى... وما رأيتُ عاطفةً كعاطفتِه.

إنْ أنسى لا أنسى ذلك الموقف منه مع ابن أخته الذي يُشبه خاله في كثير من صفاته، أستاذي محمد عبد الله الغبشاوي. كان الغبشاوي قد مرض مرضا شديداً مُتطاولاً، وما استطاع الشيخ أنْ يصله. لقيني الشيخ فحدَّثني في شأنه، قال لي ـ وأسى الدنيا كلُّه على وجهه ـ : ( محمد ده ود أختي والناس كلها وصلته إلا أنا )! اجتهدَّتُ أنْ أخفِّف عنه، وتواعدنا أن نذهبَ له سوياً. مرَّت الأيام ولم نوفق إلى الزيارة، تارةً لظرفي وأخرى لظروف الشيخ. بعد فترة قام أستاذ الغبشاوي من مرضه، فلقيني وهو لا يعلم بما كان بيني وبين شيخ صادق، قال لي : ( أنا طوَّلت من شيخ صادق توديني ليهو) حاولتُ أنْ أصرفه بأعذار شتَّى، ولا يدفعني لصرفه في الحقيقة إلا علمي بحساسية الشيخ، وحاله التي سيصير إليها إنْ زاره ابن أخته الذي يشعر أنَّه قد قصَّر في حقِّه تقصيراً كبيراً. لمَّا ألَّح عليَّ واجهته بالحقيقة، قلتُ له : شيخ صادق لو زُرتَه وهو على هذا الشعور الذي يتملَّكه بالتقصير في حقِّك ستكون كمَنْ يَقتُله !! قال لي : ( هو الموضوع كده يعني ؟! ياخي شيخ صادق لما كان بقوته كان يجي يلف علينا ويتفقدنا واحد واحد في بيوتنا.. نجي نحنا نعملها ليهو لوم وهو في العمر ده ! ده كلام ؟!) طاوعتُ أستاذ الغبشاوي وفي الطريق إلى بيت شيخ صادق كنتُ أتخيَّل ردَّة فعل شيخ صادق عندما يدخل عليه الغبشاوي. وكان الأمر بالضبط كما توقَّعت، دخلنا عليه فتقدَّم أستاذ الغبشاوي وتأخَّرتُ عنه قليلاً ، أخذ الشيخ يتبيَّن هذا الداخل عليه، ثمَّ سأله من بعيد : ( ما تكون بس محمد عبد الله؟) فردَّ الغبشاوي : ( ياهو ذاتو ) قال له الشيخ : ( قتلتني ) !! الكلمة نفسها التي قلتها لأستاذ الغبشاوي وأنا أصرفه عن مقصده، لم يزدِ الشيخ عليها ، قالها في صدق شديد ، لكأنَّه قد قتلَه حِساً لا معنى، وكأنَّ طعنة قاتلة قد سُدِّدَتْ إلى قلبه !! أمَّا الأستاذ فقد أكبَّ على خاله يُقبِّلُ رأسَه ويديه وهو يبكي، وأمَّا أنا فقد انصرفتُ عنهما أُغالبُ دمعي، وتركتُهما في عناق وبكاء طويلين ، أتعجَّب من أين جاء هذان الصالحان؟!  وأيُّ رحم مباركة تلك التي جمعتْ بينهما ؟! وأيُّ رِقَّةٍ تلك التي فيكم آلَ عبد الماجد ؟!

كان الشيخ كلَّما قابلني في عقد زواج قال لي : ( إن شاء الله أحضرك واعقد ليك ) كان يعلم أنَّ هذه هي رغبتي، وقد حقَّقها الله لي. ولعلَّ زواجي كان آخر عقد زواج يُجري مراسمَه الشيخ. من بعد وُلِد لي مولود سمَّيتُه (أسلم) فشرَّفني الشيخ كذلك بحضور ( سِمايته). في مرة رآني (أسلم) أُقلِّب صُوراً في يدي فاستوقفني في صورة لشيخ صادق وسألني : ( يا بابا ده منو ؟ ) قلتُ له : ( ده شيخ صادق ) قال لي : ( أنا داير أمشي ليهو ) عجبتُ له ، لم يسألني من يكون شيخ صادق و ما صلته بنا ، هو فقط يُريد أنْ يذهب إليه !!

هَيَّأ الله ل(أسلم) لقاءً بالشيخ، والتقط عمه عزام صورة له مع الشيخ. من عجيب الموافقات أنَّ الصورة تلك الوحيدة التي تجمع أسلم بشيخ صادق كان أسلم فيها في عمر أبيه تماماً عندما دخل على شيخ صادق في المستشفى!!

كان الشيخ قد قرَّب أسلم إليه وهَمس في أذنه  : ( انت مش صاحبي ؟) ردَّ عليه أسلم : ( ايوا ) ابتسم الشيخ ابتسامته الراضية التي كانت من نعيم الدنيا عندنا وزينتها ! كان الشيخ مُستعداً لدورة جديدة وحلقة متَّصلة في جهاد التربية يبدأه مع جيل أسلم !! لكن جسده كان أضعف من تلك الهِمَّة وأهون من تلك العزيمة.

صباح الجمعة أول أمس ودَّعنا شيخ صادق بالمقابر، وكانتْ روحه الطاهرة قد ارتفعتْ إلى ربها ليلة الجمعة المباركة. في مقابر البكري بأم درمان عُدتُ ذلك الطفل الصغير، بكيتُ كما لم أبكِ من قبل .. بكيتُ بكاء الأطفال ... وهل يُلامُ طفلٌ على بكائه؟! كان الناس من حولي بين مَنْ يُذكِّرني بالله وبين مَنْ يدعو لي بالصَّبر ... وهم إنَّما يُذكِّرون طفلاً ويُصبِّرون عاجزاً :

أبى الصبرَ آياتٌ أراها وأنَّني        أرى كُلَّ حبلٍ بعد حبلِكَ أقْطعَا

وأنِّي متى ما ادعُ باسمِك لا تُجِبْ    وكُنتَ جديراً أنْ تُجِيبَ وتُسمِعَا

عَزاؤنا فيك شيخي أنَّك لم تَمُتْ ... فمثلك لا يموت ... مثلك يتركُ الدنيا وفي ذاكرةِ الدنيا له ذِكرٌ وذكرى من فعال وخلق. سأحكي ل(أسلم) عنك كثيراً، سأحكي له عن صدقك وأمانتك، وعن برِّك ووفائك ، وعن طُهرك وعِفَّتك ، وعن عِزتك وشموخك، وعن تواضعك وفضلك ، وعن كرمِكَ وحِلمكَ.

سأحفظ لأسلم الصورة التي تجمعه بك، وسأذكِّره بها كما كنتَ تُذكِّر أباه بموقفه في المستشفى. سيحبك أسلم كما أحبك أبوه وكما أحبك جده. سيعلم أسلم أنَّ أباه ما رأى في دنيا الناس مثلَكَ !

أيُّ روحٍ حَلَّتِ الجسدَ النَّحيلْ؟!

مِلؤُها الإشفاقُ والرحمةُ بالصغيرِ وبالكبيرْ

إلَّا بِهِ

فهيَ تُضْنِيهِ ويتعبُ في مُرادِها العالي الكبيرْ

أيُّ خُلُقٍ قد تبدَّى في المُحيَا والفِعالْ؟!

يا إماماً قد حَوى بعضَ آياتِ الكمالْ

مُخبِتاً للهِ ترجو عندَه حُسنَ المآلْ

ولكم في ساحةِ الحقِّ جهادٌ ونضالْ

إنْ تَشَكَّى الناسُ فيه من النِّبالْ

أنتَ كَسَّرتَ النِّصالَ على النِّصالْ

أيُّ عهدٍ قد أخذتَهْ ؟!

يومَ بايعتَ حسنْ

كيفَ باللهِ لَزِمْتَهْ ؟!

رغمَ أحداثِ الزَّمنْ

صارَ مِنكَ العهدُ بعضا

لو أردتَ لهُ فِراقاً ما استطعتَهْ !

لك يا شيخي السلامْ

مِن فتىً حَملَ الحُبَّ لكمْ وهو فوقَ الأربعَهْ

ومضى يَكبرُ ذلك الحبُّ مَعَهْ

سلام عليك شيخي صادق في الخالدين

وتقبلك الله في الصالحين

وجمعنا بك في عليين

 

 

 

  مجتمع الإخوان

  دعوة وتربية

  الأسرة المسلمة

  مراقبو الإخوان

  رسالة المراقب العام

  رياضة

  خطب الجمعة

الإخوان في العالم

الإخوان في الإعلام

كتب ومطبوعات

روابط أخرى

المسابقات

الإخوان في العالم

الجماعة الاسلامية بسيرلانكا الجماعة الاسلامية بسيرلانكا عميقة الجور في هذا البلد الاسيوي الصغير والجماعة الاسلامية بسيرلانكا تعمل منذ العام 1955م

 

الإخوان المسلمون 2018 : الخرطوم السودان :: للاتصال : info@ikhwan.sd    التصميم والدعم الفني لمسة الهندسية Lmssa.com